بعد وسائل الضغط التي مارستها الجمعيلت النسائية، أقر مجلس الوزراء عام 2010 مشروع قانون الحماية من العنف الأسري الذي تم اعداده من قبل جمعية “كفى” وعدة حقوقيين، وأحيل للجان النيابية المختصة لدراسته.
أنهت اللجنة الفرعية المنبثقة من اللجان النيابية المشتركة درس مشروع قانون “حماية المرأة من العنف الاسري”، بعد 39 جلسة متتالية، ويشار الى ان النائبين نبيل نقولا وشانت جنجنيان انسحبا من اللجنة بعدما لمسا “عدم جدية في اقرار هذا المشروع” بحسب تعبيرهما.
واطار العمل تم من خلال احترام مبادئ الدستور لا سيما المادة السابعة (المساواة امام القانون) والمادة التاسعة (ضمان احترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية).
وهنا تكمن الازدواجية الشاملة في لبنان وبالدستور الذي حاول الملاءمة والجمع بين نقيضين ، فتبقى المساواة مبدأ جميل حديث على الورق بينما السائد هو ما تنص عليه الأحوال الشخصية مهما كانت متخلفة ومميزة فهي التي تغلب وتطبق!!!
ولحظت مناقشة اللجنة للقانون وجوب احترام ما التزمه لبنان من اتفاقات دولية لا سيما اتفاق الامم المتحدة لمناهضة كل اشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية مجلس اوروبا للوقاية من العنف ضد المرأة والعنف الاسري ومناهضتها. وبعد ثلاث سنوات، في أمسنا القريب أقر القانون من قبل اللجنة النيابية بعد أن تحول من مشروع حماية المرأة من العنف الأسري لحماية كافة الأفراد، ما لقي امتعاض البعض، مع الرضى بالقانون لعدم خسارة هذه الخطوة وبصيص الأمل بتحول المشروع لقانون بعد اقراره النهائي من المجلس النواب.
كما أنه يجب التذكير بالاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي التزمت به الدولة اللبنانية، وانبثقت عن هذا الاعلان اتفاقيتان دوليتان كبيرتان حولتا الحقوق الواردة في الاعلان إلى قواعد قانونية ملزمة وقد بدء العمل به في 3 ك2 1976 ، ومنهما الميثاق الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي ينص في القسم الثالث على: حق الأسرة والأمهات والأطفال والمراهقين في أكبر قدر ممكن من الحماية والمساعدة والحق في مستوى معيشي كاف والحق في الصحة المدنية والعقلية.
وهنا أيضا وأيضا الازدواجية، واللا دولة الراهنة التي توقع وتلتزم باتفاقيات ومعاهدات دولية بينما هي تنفذ نقيضها!!!
ومع أنه تم التأكيد من قبل اللجنة على ان طابع القانون جزائي بامتياز، وتأكيد عدم تناول اي من مواد هذا القانون لأي من احكام قوانين الاحوال الشخصية او صلاحيات محاكمها الخاصة، بحيث ان القانون برمته يقع في اطار القانون المدني المحض، وقد جرى تعديل جذري للمادتين 1 و26 من مشروع القانون على هذا الاساس ومنعا لاي التباس او سوء تفسير، لم يتم تشريع هذا المشروع من قبل المجلس النيابي، وظل كما الكثير من مشاريع واقتراحات القوانين يزين أدراج المجلس النيابي، فما مرد ذلك ؟ ومن الذي عرقل اقراره؟
أعلنت الجمعيات النسائية أن الكنيسة المارونية أبدت في بيان موافقتها الكاملة على ما ورد في مشروع القانون ولم تسجل أي ملاحظات عليه. أما الكنبسة الأورثوذوكسية أبدت بعض الملاحظات، إنما وافقت عليه بالمبدأ.
أما بالنسبة للطوائف الاسلامية، فأعلنت دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية أعلى هيئة سنية في لبنان معارضتها لمشروع قانون يرمي إلى حماية النساء من العنف الأسري معتبرة أنه يسبب “تفكيك الأسرة كما في الغرب”.
واستندت على أن “الحق الدستوري المضمون للمسلمين في لبنان على ما نصت عليه المادة التاسعة من الدستور الموجبة لاحترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية لكل طائفة، يولي المسلمون الحق المطلق في مناهضة أي مشروع يؤدي إلى المساس باستقلالهم بتشريعات أحوالهم الشخصية وروابط العائلة والأسرة المسلمة”.
واعتبرت أن مشروع القانون سيكون له :”أثر نفسي على أطفال المسلمين من خلال استجوابهم واشهادهم على والدهم ورأس أسرتهم ورؤيتهم لوالدتهم تتحدى السلطة الأبوية المحفوظة له شرعا وقانونا مهددة إياه بالسجن، وسيؤدي من دون ريب إلى كسر هيبة عماد الأسرة واضعاف مكانته المعنوية، وخلخلة كيان هؤلاء الأطفال المنظور إليهم كآباء في مستقبلهم الواعد”.
بالنسبة للمجلس الشيعي الأعلى فاعتبر أن: “العنف الذي تحدث عنه مشروع القانون “لا يجيزه الشرع إلا في حالات شرود المرأة عن الصراط المستقيم، أي ارتكابها منكراً. شرودها يوجب تقويمه بالهجر أو الكلام أو الضرب. ولكن الضرب ضمن حدود، بحيث لا يدمي”، يقول قاضي محكمة مشغرة الشيخ أسد الله الحرشي ناطقاً بلسان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. ويضيف: “في الحالات العادية أو الطبيعية الضرب غير مسموح. فالإنسان مُكرم عند الله، رجلاً كان أم امرأة… ونحن مع حماية المرأة إلى أقصى الحدود، والشرع حفظ مكانتها”.
وردّ على ما ورد في المشروع عن إكراه الزوج زوجته على الجماع بالقول: “للرجل حقوق وعلى المرأة إطاعته. لذا يجب ألا ترفض مجامعة زوجها إذا طلب إليها ذلك. ويحق لها الممانعة في حال وجود مبرّر مرضي. أما الممانعة من غير مبرّر فغير جائزة”.
وخلص الحرشي إلى “أننا نلتزم الحكم الشرعي الذي يكون عليه دليل، وهو القرآن الكريم، والسُّنّة النبوية الشريفة، والعقل بمعنى القواعد العقلانية، والإجماع أي إجماع المسلمين. لذا، فإن أي شيء مخالف لأدلة الفقه الشرعي، بما فيه مشروع القانون هذا، نرفضه”، معلناً موافقته على بيان دار الفتوى انطلاقاً من الفكر الإسلامي الجامع بينهما.
عند البعض الدين هو أساس الحياة وكافة تفاصيلها وأي معترض أو مخالف لما ينص عليه ، تلقائيا يعتبر مرتد أو خارج عن الدين وأصوله. فليس بالبساطة اقرار هكذا قانون وفرضه.
يجب اتخاذ خطوات تسبقه تهيئ اقراره ، فيجب التمرد الداخلي من المؤمنين والملتزمين بالدين، وبالتحديد النساء المعنفات، من خلال توعيتهن وارشادهن، وتأمين حد أدنى من الأمان والمؤازرة من قبل الجمعيات الأهلية والنسائية، كمساندتهن عند الانتفاض وتعلية الصوت والتمرد على هذا الواقع، عبر تأمين مسكن وعمل يسمح لهن بالاستقلال والعيش بكرامتهن.
بالاضافة لتشكيل هيئات وجماعات ضغط من المثقفين والرافضين لهذا الواقع داخل كل طائفة لدفع رجال الدين لتعديل التشريعات التي وضعت لزمن ما قبل آلاف السنوات وانتهت صلاحيتها في زمننا الراهن، فهي تؤدي لتسمم المجتمع لحد الموت.
كما أن للرجل دور كبير وأساسي في هذا الموضوع، فعلى كل رجل رافض لما يحصل المجاهرة بذلك، وتربية أولاده على الأسس السليمة ، وتشجيع “المجتمع الذكوري” على الاقتداء به.
وكل من لا يعترف بالواقع، ولا يريد هدم الجدار الفاصل للعبور إلى مجتمع سليم وبالتالي دولة سليمة ، ويدافع عن المسلمات الدينية، ويبني حججه على أن مقتل رولا ومثيلاتها حصل بتعسف استعمال الحق، وأنه يمكن للرجل الالتزام بقيود “التأديب”، يكون حصن الجدار أكثر فأكثر، فمنبع المشكلة هذه العقول المريضة المنغلقة التي سمحت لانسان بتحديد أطر حياتها، مع أن الحياة بحد ذاتها محدودة فيا للسذاجة !!!
كلمة “التأديب” بحد ذاتها تثير القرف والسخط، بأي حق الهي أو انساني يؤدب انسان انسان!!!! هل فقط تفوق قوة الرجل الجسدية على قوة المرأة يجعله حرا باستعراض هذه القوة على أي امرأة !!!
حتى هذه النظرية بالية ، ففي ظل وجود أدوات العنف والقوة “البيضاء” وغير البيضاء ، تنتفي هذه الحجة ، فلكل انسان حق الدفاع المشروع، ولكل امرأة حق الدفاع عن نفسها حتى ضد زوجها بكل الوسائل المتاحة.
وإن سلمنا جدلا فقط في سبيل النقاش بحق التأديب ضمن القيود المحددة، أليست أول صفعة كفيلة مع الغضب والمشاكل والأوضاع غير السليمة، بتدفق الادرينالين الذكوري الاجرامي لحد العمى فيتطور التأديب وتنكسر القيود، مخلفة قتلى وضحايا جسدية ومعنوية؟!
الفقر، الجهل، الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية، التحريض… عوامل كثيرة وأسباب كثيرة تؤدي للعنف ، فبدل لعن ظلمة الليل يجب إضاءة شمعة، باقتراح وتقديم مشاريع قوانين تكفل الحد الأدنى من مستلزمات العيش، إلا إذا كانت هذه الحقوق أيضا تمس الدين “لا سمح الله”.
من يريد التمسك بطريقة العيش الهمجية هذه وفق شريعة الغاب، “الدنيا واسعة وبتساع”، فليختر بقعة أرض في صحراء أو غابة ما ، يشكل فيها مجتمع حيواني، فيكثر القطيع، إن قبلت بعض أصناف الحيوانات بهذا العقد الاجتماعي، فبعض الحيوانات تعتمد المساواة، والبعض الآخر تعلي الأنثى على الذكر “غرائزيا”، فكيف لو كان لها عقل!!!
أما من يريد العيش كانسان مع كل صفاته “الانسانية ” ضمن دولة قانون، تمرد ، تحرر، فالثورة من الفكر من الناس من القاعدة من كل فرد… الموت قادم لا محالة، لا يوجد ما يستحق تقييد الحياة أكثر وأكثر، اجعل مشوارك في هذه الحياة يستحق مرورك بجناحين حرين، الجناح الواحد لا يكفي للتحليق، فلا عودة!!!