بعد ابتعاد أبنائنا أكثرَ فأكثر عن اللغة العربية، وبعد تسفيهِ معظمِ الإعلام للغة الضاد لفظاً وكتابةً، وبعد تقهقُرِ الشعرِ والنثر، جاءَ الرُّسوبُ بمعدلِ ستينَ بالمئة في نتائجِ امتحانات اللغة العربية في الشهادة الرسمية، ليُؤكِّدَ أن اللغةَ العربيةَ ليست بخيرٍ طالما أنَّ اللبنانيينِ ما عادوا أربابَها ولا حُماتها.
ما عاد اللبنانيُّ يَقرأُ، وهو إذا قَرأَ لا تهمُّه اللغة. لم يعُد للأديبِ أو الشاعرِ أو المُفكرِ من مكانةٍ عندنا. رُذِلَتْ لغةُ الأبجديةِ كما روحُها والفضائل، وازدَهرتْ لغةُ الأرقامِ ازدهارَ المصالحِ والقيم المادية، وطُلبتْ لغة الصورة إشباعاً لفُضولٍ فارغ.
فبعد أن حفظ لبنانُ اللغةَ العربية من حمَلات التتريك ومن التفكُّك في بحارِ النِّفطِ العربية، وبعدَ أن كانَ جامعةَ ومستشفى وتُرجُمانَ الشرقِ، ها هو لسانُه يُربَطُ عن لغةِ المُتنبي وتَنقُصُه الطلاقةُ في غيرِها فتتحوَّلُ شهادتُه بفعلِ ذلكَ وبفعلِ عواملَ أكاديميةٍ وسياسيةٍ من تأشيرةِ دخولٍ الى سوقِ العمل في لبنانَ والمشرقِ العربي الى شهادةِ عدم أهليةٍ علميةٍ في غالب الأحيان.
لبنان لا يعيش بلا المادة الرمادية، تماماً كما أنه لا يعيش بلا حرية. فإذا كانت الحرية رئتَه اليُمنى كان العقلُ رئتَه اليُسرى. والعقل تترجمُه اللغاتُ وتشهدُ له الشهادات.
وكل ما عدا ذلك لغوٌ وزهوٌّ في غيرِ محلِّه. وما على المعنيينَ من رسميينَ وتربويينَ وأهلٍ وإعلاميينَ إلا أن يُبادرِوا الى إعادةِ الإعتبار الى اللغة العربية والى الشهادة اللبنانية والا حُكمَ على أبنائنا بالاختناقِ في بلادٍ لا توفِّرُ فرصَ عملٍ لثلثي الوافدين الى سوق العمل.
الخطأ الأساسي هو في البرامج الحديثة التي اهملت فيها القواعد الضرورية لبقاء اللغة العربية مؤثرة في عقول الطلاب