Site icon Lebanese Forces Official Website

الصدر أو.. القبر

ليس أسهل من العناد أحياناً. لا يكلِّف صاحبه سوى إغماض العينين وصمّ الأذنين عن كلّ ما يدور حوله.

يكفي المعاند امتلاؤه بالثقة الفائضة، وحالة مكابرة ضريرة لا تلوي على شيء، ولا تُقيم وزناً لأيّ قيمة، حتّى لمعنى الحياة وأولويّتها.

هذا ما تفعله قيادة “حزب الله ” في الآونة الأخيرة، وبالتحديد منذ انزلاقها في وحول الحرب السوريّة.

فلا تُصغي إلى نصيحة، ولا تناقش رأيا، ولا تقبل ملاحظة، ولا تحلّل موقفاً، ولا تقرأ مقاربة.

كأنّها مرصودة في تراجيديا أغريقيّة نحو النهاية المحتومة، وفي طريق غير مرتدّ، تحت شعار الشاعر الفارس الأسير، أبي فراس الحمداني: “لنا الصدرُ دون العالَمِين أو القبرُ”!

فقبل الإنفجار المروّع في الرويس وبعده، إعتداد بالنفس والقوّة إلى درجة التهوّر والانتحار، والخطاب نفسه من الضاحية إلى عيتا الشعب، ومن القصير إلى اللبّونة، ومن الأرجنتين وبورغاس إلى نيجيريا.

في علم السياسة، وحتّى في علم الحرب، هناك ثوابت ومتحرّكات. لكنّ السيّد حسن نصرالله لا يملك إلاّ الثوابت، بل الجوامد، في تعاطيه مع الأحداث والتطوّرات.

جميل أن يكون الإنسان مبدئيّاً لا يساوم في حقّ أو عقيدة. ولكنّ بلوغ الحقّ، في حال ثبوته، يكون بوسائل غير جامدة، بل بمروحة خيارات يتمّ اعتماد بعضها في مرحلة، واعتماد بعضها الآخر في مرحلة أخرى.

” حزب الله “، وبقرار لا يملكه، يلتزم وسيلة وحيدة : السلاح. فلا شيء يعلو فوق سلاحه، بعدما وضعه في مرتبة ” القداسة”، واستدرج آخرين من خارج صفوفه إلى تقديسه أيضاً. وهنا أساس المشكلة وبيت الداء.

فحين لا يكون إلاّ السلاح لغة للتخاطب، تسود المكاسرة بين الأطراف، ويهيمن منطق الغلبة.

لقد وضع “حزب الله ” نفسه، والأصحّ وضعوه، في حلقة القوّة والمكاسرة والصدام الأبدي.

كان يُمكن تفهّم هذا الوضع، في مرحلة الصراع مع إسرائيل، تحت عنوان “المقاومة”. لكنّ انغماس سلاحه في تغيير الموازين  داخل لبنان وسوريّا، ومنهما إلى الشرق الأوسط، بل ربّما توازنات العالم، جعله في مأزق خطير، وليس انفجار الرويس سوى نموذج دامٍ منه.

لا يغيب عن بال أيّ مراقب أنّ القوّة تستدرج القوّة، والعنف يستجرّ العنف. ولا تغيب عنه ثابتة أنّ الضاحية لم تتعرّض لهذا النوع من التفجيرات الهائلة، في زمن وصاية “حزب الله” عليها منذ ربع قرن، إلاّ بعد تورّطه في القصير وحمص وريف دمشق وحلب.

من السهل اتّهام إسرائيل، وربط توقيت التفجير بذكرى نهاية حرب 2006، أو بانفجار لغم اللبّونة، كما فعل العقل التبسيطي الساذج لوزير الداخليّة.

ومن السهل نسج أسطورة حول حادثة اللبّونة وتصويرها “إنتصاراً إلهيّاً” جديداً، والتغطية بها على الورطة في سوريّا.

ومن السهل جمع إسرائيل والتكفيريّين في سلّة واحدة، وكأنّهما يدان لجسم واحد، وحلفٌ مقدّس.

لكنّ الواقع شيء آخر. فلا يستطيع عاقل ألاّ يربط الإنفجار بتداعيات الحرب السوريّة، على قاعدة أنّ “الدمّ يستسقي الدمّ ” و”البادىء أظلم”.

أمّا في العمق، فتبقى الأزمة خطيرة على مستوييْن:

–  وطني لبناني، فيدفع لبنان من سلامته ووحدته ومرجعيّة دولته ثمن صراع كبير في المنطقة بين محورين سياسيّين ومذهبين دينيّيْن.

–  وطائفي مذهبي، يدفع ثمنه الشيعة تحت عنوان حمايتهم، وجعلهم وقوداً للحزب ” القائد”.

وليس صعباً إستنتاج تصاعد العنف بعد الخطاب المذهبي لنصرالله، ولو تحت ستار فلسطين، والذي يكرّره صاحبه في كلّ مناسبة.

فمتى تحين لحظة وعي إستثنائي تاريخي لوقف اندلاع الحريق الكبير؟

متى يُحسّ “حزب الله” بوجع مَنْ يحاربهم في سوريّا ولبنان، كي يضغط على جروحه ويداويها، قبل أن تزداد التهاباً؟

لا يُمكن الخروج من النفق المسدود بالتوغّل أكثر فيه، بل بالعودة إلى الوراء.

ولعلّ قرار العودة يأتي، قبل انسداد الباب الوحيد للدخول.. والخروج أيضاً.

Exit mobile version