يرفع البشير كأس الحلم. تلك الصورة التي نتناقلها من صفحة الى اخرى. كان كأساً ممتلئاً من كل شيء. العنفوان، الكثير منه. القوة، ما يكفي منها. الكرامة، الفائض الفائض الذي يملأ أرضاً بحالها.
كان كأساً طفح لمدة 21 يوماً بكل شيء. بالوطن، بالحرية، بالجمهورية، بالامل، بالحلم… الحلم، من يحلم بعد في لبنان؟! هؤلاء السابحين فوق غيم الايام. هؤلاء المفرطين المصابين بداء التفاؤل. عيب التفاؤل في لبنان؟ مثير للسخرية من لا يزال يحلم؟
عندما عشنا حلم الجمهورية تلك الـ 21 يوماً كدنا نلامس السماء بالامل، وعلى قدر الامل كانت الخبطة عظيمة عظيمة. انظر الى وجه البشير يوم انتخابه وقبل لحظات من اعلان كامل الاسعد “بشير الجميل رئيساً للجمهورية”، وجه مشعّ بكل شيء. بكل أحلامنا بذاك الوطن النادر الهارب منا كل ما تهيأ لنا اننا أمسكنا به.
لحظة أعلنوه رئيساً للجمهورية، جُنت الحياة من حوله. غيبوبة الفرح. كانت غيبوبة. لم نكن نفهم في السياسة لكن أذكر ان أبي صرخ “خي رجع لبنان، الله يحمي البشير”، وعجقت في منزلنا، ضحكات، تبادل أنخاب، وأحاديث أحاديث عن الامل المنهمر علينا نعمة، بجمهورية لا يجرؤ أي كان على المساس بها.
الشباب في الضيعة طلبوا منا أن نذهب مع الذاهبين الى الساحة لنفرح، وبدأت المواكب من كل القرى تتوافد وتتداخل في ما بينها، صارت ساحة ضيعتنا ملعب الاغاني الوطنية والقواتية، دبكنا رقصنا ولم نفهم فعلا لماذا كل هؤلاء الشباب يعيشون هذه النشوة غير الاعتيادية… ولما توغّلت بنا الايام والخيبات علمنا لماذا كانت فرحة الشباب بهذا الحجم، ولماذا حجم الخيبة فيما بعد كان أعنف.
23 أب 1982، كان ومضة جمهورية. بريق لاح في سماء وطن لا يريد أحد لهذه السماء أن تشعّ كما يجب وكما يليق بها، عشنا الحلم لايام لكنهم ما لبثوا أن سلبونا اياه وهم يتباهون انهم فعلوا. لكن ما لم يتمكنوا من قتله هو الروح فينا، روح بشير.
ما زلنا نقف عند ذاك الـ 23 آب نصنع حلمنا كل يوم، نحاول. نستشهد، بالمئات. نُصلب، فنشهد قيامة مع المسيح. نمشي الجلجلة، يقع الحلم نقف لنجمعه، قطعاً أشلاء لا يهم، المهم اننا نجمعه من جديد. تقع اشلاؤنا، نتوقف لنلملمها…
في انتخابه جمعنا مسلمين ومسيحيين، وفي ذكراه الآن ها نحن نجتمع من جديد مسيحيين ومسلمين وكلنا نناضل من أجل الحلم ذاته، تلك الجمهورية القوية والجيش القوي ولا جيش سواه ولا سلاح سوى سلاحه الشرعي.
يحتاج الجلاد الى أكثر من السلاح ليفتك بالحلم. عشنا الحلم الحقيقي ذات ضوء ولن نترك لهم نعمة التمتع بآلامنا. نحن أهل الارض نتوجّع هم لا يفعلون وان كانوا محسوبين علينا كشركاء في هذه الارض.
بدأنا مع البشير ونكمل مع من يكمل المسيرة، ودائما نرفع الكأس معه لنخبره ان الحلم ما زال رغم كل الكوابيس، حاضر فينا بقوة، نعيش به ولأجله، ونرفع كأس الايام كلما تذكّرنا أن في حياتنا عبر قائد كالبشير، وان كنا لا نقف عند الذكرى مكتوفي الايدي، فنحن ما زلنا نمشي ونمشي وسنبقى كذلك، الى أن نفتح باب الجمهورية اياها المسكونة ضلوعنا، ونطرد كل الرعاع وأولهم من امتدت يداه اليه وظنت لوهلة انها قتلته فينا. “كاس” البشير…

sheik bashir for ever living with us love you
بدأنا مع البشير ونكمل مع من يكمل المسيرة، ودائما نرفع الكأس معه لنخبره ان الحلم ما زال رغم كل الكوابيس
Never thought we will still tear up anytime we bring up his memories even after 30 years…..