كانت هناك وظيفة إضافيّة واضحة للتفجيرَيْن الدمويّيْن في طرابلس ، فوق وظيفة القتل والإرهاب والترويع، هي منح ” صدقيّة ” لتوقّعات قيادة ” حزب الله ” بشمول التفجير ” التكفيري ” مناطق وطوائف ومذاهب أخرى ، غير الضاحية ، بهدف إشعال الفتنة .
فهل أنّ ما جرى أكّد ” نبوءة ” هذه القيادة مع سرعتها اللافتة في الإدانة ( والغريب أنّ النظام السوري لم يكن أقلّ سرعة في اتّهام الجهة التي فجّرت في الضاحية بالتفجير في طرابلس ، مصدراً حكماً ميدانيّاً مبرماً! ) ، أَمْ أنّ ” صدقيّة ” الإثنين معاً قابلة للنقاش ؟
خلال أيّام قليلة بعد انفجار الرويس ، بدا ” حزب الله ” متخبّطاً في تحديد لغته ومواقفه وخياراته ، وتصنيف أصدقائه وأعدائه ، مثل خائف سائر في الظلام ، يظنّ أنّ كلّ شيء أشباح تنقضّ عليه لتفترسه .
لم يظهر ذلك فقط في لجوئه إلى ” أمنه الذاتي ” وإقفال مربّعاته الصافية ، وتوجّسه من كل عابر سبيل أو سيّارة أو طالب حاجة ، ولا في استعادة ” ثقافة ” التخوين وهدر دمّ كلّ من ينتقده ، بل في تناقض خطابه واتّهاماته وحركة بوصلته .
أكثر ما يلفت في هذا التناقض كان ما جاء في كلمة زعيمه حسن نصرالله الأخيرة عن أنّ ” التكفيريّين ” سيضربون ويفجّرون في كلّ المناطق والمذاهب ( طرابلس بعد الضاحية .. والثالثة أين ؟! ) ، ومن يشكّك في هذا الأمر يكون ” مشتبهاً “.
وبعد بضعة أيّام ، وعشيّة تفجيريّ طرابلس ، صدر بيان خطّي رسمي لكتلته النيابيّة ” الوفاء للمقاومة ” ، يتّهم ” 14 آذار ” بتوفير بيئة حاضنة لهؤلاء الإرهابيّين !
لم تكن الغرابة فقط في هذا التهديد المباشر والوعيد السافر لمناطق ” 14 آذار ” وقياداتها ، بل في تناقض وتهافت طرحَيْن في بضعة أيّام :
فكيف يفسّر ” حزب الله ” ( ومعه النظام ) أن يكون ” التكفيريّون ” الذين فجّروا في الضاحية هم أنفسهم سيفجّرون ” بيئتهم الحاضنة ” ، ويدمّرون طرابلس مثلاً على رؤوسهم ؟ وما هو هذا المنطق الذي يقول إنّ القاتل يرتدّ على نفسه وبيئته وينتقم منهما ؟!
الواضح أنّ ” الحزب ” يبحث عن ضحيّة ، تعويضاً لعجزه عن النيل من أعدائه الذين استدرجهم إلى داره في معرض حربه ” الوقائيّة ” عليهم ، في دارهم .
وليس أسهل وأفضل من صبّ نقمته على بيئة خصومه السياسيّين في لبنان بحجّة احتضانها ” التكفيريّين ” ، وهذا ما استسهل ارتكابه مراراً بذرائع شتّى ، سواء بالإغتيال ، أو بتطويق السراي وخنق قلب العاصمة ، والإجتياح ، والإنقلاب، وتفريغ المؤسّسات وتعطيل الدولة .
بوضوح تام ، هدّد ” حزب الله ” بالردّ التفجيري في المناطق والمجمّعات الشعبيّة المحسوبة على “14 آذار” وطرق تحرّك قياداتها ، فلماذا يختبىء وراء القول إن الإرهابيّين هم الذين يستهدفون هذه المناطق .
ومع بدء حدوث هذه التفجيرات من طرابلس ، أَلاَ يجوز للبعض توجيه أصابع الإتّهام فوراً إلى من هدّد وتوعّد ؟
هل كان تسرّعه في اتّهام ” 14 آذار ” نتيجة تخبّط ، أَمْ غباء ، أّمْ فائض حقد طَفَحَ على سطح كتلة ” الوفاء للمقاومة ” ، فَبَدَت كأنّها تكشف موقف قائدها وسيّدها ، وتسفّه نظريّته في مخطّط ” التكفيريّين ” ؟!
في أيّ حال ، ليس تناقض نظريّة ” البيئة الحاضنة ” للإرهاب وتفجيرَيْ طرابلس هو وحده الدليل على فقدان ” حزب الله ” اتّزانه وصدقيّته في مقاربة الأحداث . فهناك حدثان آخران انكشف فيهما تهافت موقفه :
– الأوّل ، صمته الصارخ عن مجزرة النظام ” الكيماوي ” ، بما يُسقط أحد تبريراته للإنخراط في الحرب السوريّة ، وهو الدفاع عن السوريّين . وكأنّ مئات الأطفال الذين خنقهم غاز السارين ليسوا بشراً سويّا ، ولا يستحقّ خنقهم البارد كلمة أسف وأسى واحدة !
– الثاني ، تبرّؤه من صواريخ صور وتنصّله من أيّ مسؤوليّة ، وإعلانه في الوقت نفسه ترحيبه ، أو على الأقلّ عدم إدانته أيّ عمل ضدّ إسرائيل ! أليس في هذا الموقف تناقض فاقع ؟
فللصواريخ أيضاً بيئة حاضنة : صور ومنطقتها مصنّفتان بوضوح لنفوذ ” حزب الله ” . فإذا كان غير عالم بالصواريخ مسبقاً ، فهو لا يدينها . بينما جاءته البراءة فوراً من إسرائيل التي اتّهمت خلال دقائق ” الجهاد العالمي ” .
أليس ” الجهاد العالمي ” في لغة إسرائيل هو ” التكفيريّون ” في لغة ” حزب الله ” ؟
إذاً ، بتحليل بسيط ، مّنْ فجّر في الضاحية ينتسب إلى الفريق نفسه الذي قصَفَ الصواريخ ، ” جهادي تكفيري ” . فكيف يفسّر ” الحزب ” إدانته في الضاحية وعدم إدانته في الجنوب ؟
أليس في هذه الإزدواجيّة إنكشاف لتبادل المصالح والأدوار وتكامل التصريحات بينه وبين إسرائيل : هو لا يدين أيّ عمل ضدّها ، وهي تبرّئه من المسؤوليّة ! إنّها فعلاّ لعبة اللهو من فوق والجِدّ من تحت . لعبة باتت عارية مكشوفة حتّى على بسطاء الناس . ويزيد في انكشافها صاروخ إسرائيلي دعائي يتيم على نفق ل” القيادة العامة ” حليفة ” الحزب ” . إنّه جهاد بجهاد !
لم يَعُد ” حزب الله ” لغزاً محيِّراً ، ولا حالة استثنائيّة . فقد وضَعَتْ تناقضاتُه الأخيرة ، في الأحداث الثلاثة على الأقلّ ، حدّاً لسرّ قوّته ، وعرّت ” صدقيّته ” ، وكَشَفت مستوره .
إنّه عقلٌ يفقد منطقه وحججه تحت وطأة التناقض .
إنّه جسمٌ يضربه الترهّل ، في بداية الكهولة السريعة .
تحية إلى ” السيد ” حسن نصر الله ” قدّست مخططاته ” ! نحييك يا ” سيد ” ونشدّ على يديك الإثنتين النظيفتين من أيّ نقطة دم لبنانية وسورية ! نحييك حيث أنت في عرينك الأسدي البعثي الخميني الإثني عشري حيث تقاوم وتمانع وتكابر وتهزأ من كلمة ” دولة ” ! نحييك على مناصرتك ومؤازرتك الحثيثة لنظام الأسد ولو قتل ألف طفل ، ولا شك لدينا في أنك لن تتخلّى عنه في محنة إجرامكما المشترك ! ونحييك طبعاً على ذبذبات التناغم والتلاقي مع عدوك ” الصهيوني ” المزعوم ، علماً أنّ تماهيك مع إسرائيل لم يعد مستتراً تحت العباءة السوداء الكاتمة للأسرار الإيرانية ، والملفت أنّ انكشاف هذا التماهي لا يحرجك البتة ! نحييك بعد حنانك المتدفق إثر انفجار الرويس وقد جسدّته في عرضك الملحمي التاريخي للذهاب شخصياً لقتل الشعب السوري ، ونحييك لأنك تدعونا للإقتتال في سوريا ، وتسهّل ( على الأقل ) قتلنا في لبنان ! ….. وبعد التحية يا سيد .. سلام للشهداء اللبنانيين وللجرحى اللبنانيين ، فمن تعتبرهم أنت أرقاماً وأرواحاً جاهزة للتضحية بها ، نعتبرهم نحن مواطنينا أينما كانوا ، في الرويس كما في طرابلس ، وصدّقنا يا سيد أنّ الفرق بعيد جداً بين من يموت لوطنه وبشرف ، ومن يدّعي الشرف في القتال داخل الوطن وخارجه !!