#adsense

الذل على معبر المصنع… طوابير طويلة وشتائم لتشجيع الرشوة

حجم الخط

عمل السماسرة على نقطة العبور في المصنع صار «على عينك يا تاجر». الرشى تُدفع لتسهيل العبور، أمّا التزام التعليمات والوقوف في طوابير طويلة، فهو العقاب لمن لا يريد الدفع أو لا يملك المال. مصدر في الأمن العام يقرّ بوجود «بعض المشاكل». لكن المشهد يشي بأكثر من ذلك بكثير.

“من يسمع ليس كمن يرى”، بهذه العبارة يختصر أحد العابرين إلى لبنان معاناته عبر نقطة المصنع الحدودية. مشهد غارق في المهانة والإذلال. ازدحام هائل هناك مجبول بأعصاب مهترئة من هول القتل الجاري في سوريا. ازدحام لمأساة يفتح الشهية على المزيد من التعسف والرشوة والفساد.

يصطف عشرات العابرين والعابرات أمام كنتوارات موظفي الأمن العام. «تدفيش» و«شتائم» بذيئة. تكفي نظرة ما لا تعجب عنصر الأمن العام حتى يبادر إلى مصادرة بطاقة الهوية منه، ويجري تصويرها، ومنعه من الدخول إلى لبنان مدة سنة. هكذا تحصل الأمور. حتى اللبنانيون لم يسلموا من سلوك عناصر الأمن العام المخولين ختم تأشيرات الدخول للبنانيين.

يرتفع الصوت بين المواطن والموظف. الأخير وسم للتو هويات وجوازات سفر 7 أفراد. هذه المعاملة «الجماعية» كان يقوم بها احد الصرافين العاملين في محيط الامن العام. المواطن اللبناني كان شاهداً على ذلك، فلم يطلب الموظف من الصرّاف احضار كل الاشخاص المعنيين للتأكد من صحّة بياناتهم. عندما جاء دور المواطن اللبناني طلب الموظف منه احضار زوجته وطفلتيه وابنه الذين لا تتجاوز اعمارهم أربع سنوات. ابتسم المواطن وبرر للموظّف بأن الطفلتين نائمتان في السيارة وأمهن معهن في السيارة. اصرّ الموظف على طلبه. امتثل المواطن، خرج مع بطاقات الهوية ليعود بعد قليل مع اسرته كاملة، الا انه اضطر مجدداً إلى الوقوف بالطابور. وعندما حان دوره بعد دورة انتظار جديدة طويلة، ابتسم مجدداً للموظّف، وقال له هذه زوجتي وهؤلاء ابنائي، ولكنه احب ان يشكو بمزحة، قال للموظّف: «الظاهر في ناس بسمنة وناس بزيت». اعتقد ان الموظّف قبل الشكوى، فتابع: «لماذا لم تطلب من ذاك الصراف احضار كل اصحاب بطاقات الهوية وجوازات السفر؟ لماذا لا يطبّق عليه النظام الذي تطلب منّي التزامه؟». في هذه اللحظة، ثار الموظّف غضباً. هدد المواطن بالاعتقال. كال له الشتائم امام اسرته وبقية المنتظرين في الطابور الطويل.

ما حصل مع المواطن اللبناني يحصل على نحو هو أشدّ وقعاً وفداحة مع العابرين السوريين. هذه الواقعة تتكرر في كل دقيقة داخل مبنيي الامن العام. ما إن يصل العابر الى نقطة المصنع حتى يعتقد أنه في وسط تظاهرة حاشدة. المئات يصطفون في باحة الأمن العام، يتلقون توجيهات عناصره بالشتائم، واحياناً بالاعتداء الجسدي. ليس هذا فحسب، مشهد الأطفال والنساء وكبار السن وهم يحتمون من الشمس تحت ظلال الجدران، لا شك انه مشهد مستفز. تسأل بعضهم عن ذلك، يأتي الجواب: «صار لنا اكثر من 5 ساعات ننتظر دورنا».

سناء القادمة من ريف دمشق، تفترش الارض الى جانب الباص الذي يقلها، وحولها اطفالها الاربعة، تقول: «من الساعة التاسعة صباحاً حتى الواحدة، وزوجي يقف في الطابور ينتظر دوره، شو ذنب هالأطفال».

الفلسطينيون ينالون ايضاً قسطهم من هذا التعذيب. يمنع الامن العام دخول كل من ليس لديه جواز سفر صادر عن الجمهورية العربية السورية. انها سياسة الحد من النزوح الى لبنان. سياسة تجعل اكثرية الفلسطينيين الهاربين من الموت عاجزين عن دخول لبنان؛ إذ يعود كل يوم العشرات من الفلسطينيين بسبب عدم حملهم لجواز سفر سوري.

يبدو الولوج الى القاعة في مبنى الامن العام من المستحيلات. فجميع المنافذ مقفلة بالعابرين المصطفين في طوابير لا تنته. هذا الواقع يشكّل فرصة سانحة لعشرات السماسرة المنتشرين في الخارج. هؤلاء يصطادون انواعاً معينة من العابرين. يعرضون عليهم ختم تأشيراتهم بأسرع وقت من دون الوقوف في الطابور! ما هو المقابل؟ 50 او 40 دولاراً عن كل جواز سفر او بطاقة هوية.

الكثير من المستهدفين يوافقون على دفع هذا المبلغ للخلاص من المعاناة. يحمل السمسار الجوازات والبطاقات، يبدأ الدفش والرفس ليفتح لنفسه طريقاً الى الداخل بمعاونة احد عناصر الامن العام، يختم ما يريد من وثائق ويعود بها الى «الزبون – الضحية».

لا يمتلك اكثرية المنتظرين دورهم الا الاعتراض اللفظي على التمييز الذي يُمارس ضدهم. ما إن يسمع الموظف هذه الاعتراضات حتى يبدأ بمعاقبة المعترضين بإعادتهم إلى آخر الطابور ليستغرقوا وقتاً اطول في الانتظار. غالباً يرضخ المعترضون؛ لأنهم اذا استكملوا اعتراضاتهم تُصادَر وثائقهم والتأشير عليها بما يمنع دخولهم الى لبنان لمدة سنة. ولكن يزن لم يعترض، ومع ذلك «جاء الموظف وقال: أعطني بطاقة هويتك»، ظن انه سينقذه من زحمة الانتظار، واذا به يعيد الهوية له ويقول له: «أنت ممنوع دخولك الى لبنان لفترة سنة». عندها قرر يزن الاعتراض ولكنه فشل في تحريض العشرات من الممنوعين من الدخول لأن يفترشوا الارض ويعتصموا عند الحدود.

يتوسل احد العابرين السوريين الموظّف ان يسمح له بدخول لبنان، لأنه يعمل هنا وله مصالح تجارية. لا ينفع التوسل. يسحبه العنصر الى بائع القهوة، ويقول له: «زبطلو الوضع بيمشي الحال».

لم يستطع عاطف ان يعبر الى لبنان، السبب ان بطاقة الهوية «مشعورة». يقول بتهكم: «طلبوا ان ادفع 70 دولاراً ليمشي الحال، لو كان المبلغ معي لدفعته ودخلت».

سارة مُنعت ايضاً، هي ورفيقاتها الثلاث. الاسباب حسب سارة مجهولة، لا تعرف لماذا منعن ولا الأسباب الموجبة، «ما بعرف ليش، مني مجرمة ومني مع حدا بالسياسة».

مصدر في الامن العام لا ينفي وجود «بعض المشاكل»، ولا حتى الرشى، انطلاقاً من ان معبر المصنع هو اكثر المعابر اللبنانية ضغطاً، «الموظفون ليسوا انبياء، هم بشر يسقطون امام العروضات، وخاصة اثناء الازدحام»، وإن استقصاء الامن العام يعمل بكثافة لضبط حالات الرشوة، ولفت المصدر الى ان التعليمات الجديدة لتخفيف النزوح هي التي تسبب الازدحام، اذ مطلوب من الموظف ان يدقق بهويات العابرين، وأن يأخذ المبادرة في منع هذا وذاك.

ويوضح المصدر ان «15 الف عابر الى لبنان يمر عبر معبر المصنع يومياً، يعاد نحو الفين بسبب المنع او عدم استكمال الاوراق الثبوتية». ويبرر المصدر بأن الضغط الهائل من العابرين يولد لدى الموظفين حالة من التوتر، اضافة الى ان بعض العابرين لا يلتزمون الطابور والنظام، ما يعرقل عمل الآخرين، هكذا تقع بعض الاشكاليات. اما عند نقطة المغادرة، فيقول ان الازدحام يحصل لسببين: هناك مواطنون سوريون انتهت مدة اقامتهم في لبنان ومدة التجديد، يضطرون إلى العبور لجديدة يابوس لقطع قسائم لهم، وهناك قسم ليس قليلاً يأتون كل شهر ليأخذوا مساعداتهم من الامم المتحدة والأونروا.

المصدر:
الأخبار

One response to “الذل على معبر المصنع… طوابير طويلة وشتائم لتشجيع الرشوة”

خبر عاجل