عادوا، ببنادقهم و جعبهم التي لم تقرغ من خرائط معارك وجبهات رسمت تاريخ لبنان الحديث. عادوا كي لا يقتلهم تجار الهيكل مرّتين مرّة بالحرب ومرّة بالنكران. عادوا، هم الذين لم يغادرونا يوماً، زرعتهم أيادي رفاقهم على لوحات الدعوة إلى إحياء ذكراهم السنويّة فتلقّقوا أمر المهمّة وانتشروا على خطوط الوطن الّذي قطّعت أوصاله نار الحقد والضغينة والاستزلام الأعمى.
عادوا، هم الذين رووا الأرض بدمائهم فأزهرت براعم بطولة تنشقها جيل المقاومين في زمن السلم المفترض ليلتحق بالقافلة: رمزي وفوزي ونديم وبيار وطوني وآخرون ممن رفضوا الخضوع والانصياع وتلّقفوا بصدورهم العارية رصاص الغدر من دون أن يتردّد أيّ منهم في نشر القضيّة الرسالة لتبقى الشعلة مضاءة في أحلك الأيام.
عادوا، و منهم من تمنى لو لم يعد، كي لا يرى من كانوا يوماً رفاقاً يسقطون راكعين لاهثين أمام جبروت المال والمناصب، منهم من تمنّى لو لم يعد ليرى من حمل السلاح إلى جانبه ضد الغريب ينقل البندقية ليديرها نحو قلب القضية وروحها النابض، فيقتل ما تبقى من صمود في مجتمع ذاق ويلات الحرب ودفع بشيبه وشبابه وحيداً فاتورة السلام.
لاحت بشائر أيلول فصدر أمر عمليّات جديد لدى أعداء القضية، فشنّوا هجومهم على كافّة الجبهات، فـ”القوّات” لقمة لطالما حلم الاسخريوطيّون بابتلاعها، وكانت بصلابة شبابها ورؤيويّة شيبها تقف سداً منيعاً لتصدّ الهجوم. لكن ما من طعنة أمرّ من تلك التي تتلقّاها ممّن وقفت إلى جانبه كتفاً على كتف في يوم من الأيام. فها هي أوراق التين تتساقط فتسقط معها عن جدران الخلود أيقوناتٍ حفرت اسمها بحبر الدمّ على صخور القضيّة لتعود وتمحيها بصباغ الذلّ والارتهان للرغبة في منصب أو في مكسبٍ شخصيّ.
صرخت “القوّات” مرّة جديدة، فهبّت قاعدتها قبل القيادة لتتصدى مرّة جديدة لمحاولة الانقضاض عليها مستعيدة المبادرة للدفاع عن مجتمعها أولاً وعن نفسها ثانياً رافضةً أن تتلّقى الضربة هذه المرّة من بيت أبيها. صاح الشباب قبل الكبار، مخاطبين من باع القضيّة بأقل من ثلاثين متعهّداً اقتلاع محور الصمود من الجذور قائلين: قاتلتم في الحرب و قاومتم لا لتقّدموا لنا فواتير قتالكم اليوم فنحن أيضاً قاومنا. فـ”القوّات” لم تكن يوماً وحدات أدونيس أو فرقة الصدم فحسب، “القوات” كانت ولا تزال ضمير شعبٍ وإرادة مجتمع، كانت ولا تزال امتداداً لرغبة المسيحييّن في البقاء في لبنان، بشراكة كاملة مع مكوّنات الشعب اللبنانيّ الأخرى من دون استقواء و استكبار. فإذا برز اسم بعض الأشخاص في صفوفها فكونوا على ثقة أنّه لولا هؤلاء الأبطال العائدين الذين سقطوا دفاعاً عنّا لكان الكثيرون منكم لم يبقوا ليقوموا اليوم بما يقومون به من متاجرة بالقضية واستثمار دماء الشهداء وقوداً في معارك داخليّة لإرهاق جسم المقاومة وتشتيت انتباه رأسها.
عاد أيلول. فدقّ البشير نفير العودة. فانتشر أبطال “القوّات” بعتادهم في كلّ شبرٍ من لبنان، انتشروا ليذكر الناس أنهم دون سواهم غذاء القضيّة و روحها، عادوا ليسندوا أكتاف رفاقهم، هذه الأكتاف التي لا تزال تنوء تحت وطأة رحيلهم عنّا. عادوا إلى الأشرفيّة وزحلة و قنات و بلاّ و عين الرمّانة. عند كلّ زاوية وقفوا، قبلة أنظارهم لم تعد المجلس الحربيّ في الكرنتينا بل تحوّلت نحو جبل حريصا الأشمّ نحو قلعة من قلاع المقاومة نحو معراب، تلك القلعة التي لم تركع تحت هول رصاص الغدر لتبقى الرمز في الصمود بعد أن غرس ساكنها سنابل الوفاء في أرض مؤسسة يضرب بديمقراطيتها المثل. نحو الضبية حيث مقرّ طلاّب القضية الذين علّموا المجتمعات كيف تقاوم دون إطلاق رصاصة. نحو أدونيس حيث “المسيرة” وموقع “القوات” الالكتروني و”لبنان الحر” مستمرّون يبشرون بالوفاء لمن قضى لنبقى. نحو أدما حيث بدأت تنتهي فصول قضيّة إعادة تلفزيون المقاومة إلى حضن المقاومة.
عادوا ليطمئنّوا أن الأمانة بخير، عادوا إلى إيليج حيث لم يسمح رفاقهم للقاتل أن يدنس الأرض التي ترقد فيها أجسادهم. عادوا ليرتفعوا بخوراً على مذبح ذكراهم فيرفعوا إلى كلّ الشهداء الذّين يجاورون الربّ مشاعر الشوق إليهم.
تحيّة الوفاء لنضالهم وعهداً قديماً يتجدّد مع كلّ إشراقة شمس أنّنا على العهد باقون، قاعدة باقون، قيادةً باقون، مناصرين باقون، شيباً و شباباً، نساءً و أطقال، كلّنا باقون فكلّ منّا على طريقته بطلُ و من كان يوماُ مقاوماُ من الصعب أن يتغيّر لأننّا أبطالٌ هكذا كنّا وهكذا سنبقى.
دخيل ربك على هالكلام الجبروتي
فيا شهدائنا الابرار في البال انتم والقلب وضمي رالقضية انكم معنا كما الذخائر تحفظ في الصدور وكما النذور تقطع في الشدائد