كتب حسن شلحة في صحيفة “اللواء”:
إن تداعيات الأحداث السورية على لبنان طالت المسارين السياسي والأمني.
فعلى الصعيد السياسي فقد تم تأجيل الانتخابات، فالقوى السياسية رأت أنه من الأفضل تأجيل الانتخابات بسبب حالات التوتر والاضطرابات القائمة، وكذلك تم تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة، فالرئيس تمام سلام مضى على تكليفه أكثر من أربعة أشهر والجهود لتشكيل الحكومة ما زالت في منطقة «الصفر»، ولا يبدو في الأفق من مشاريع لحل هذه المعضلة ولذلك بدأت بعض الأصوات ترتفع باتجاه اجتهاد دستوري جديد على البلد وهو تفعيل حكومة تصريف الأعمال، هذا إضافة الى أن مجلس النواب رغم التمديد له إلا أنه معطلاً، فمنذ يومين أعلن الرئيس نبيه بري تأجيل الجلسة العامة للمرة الرابعة (إلى 23 أيلول). وفي هذا الإطار أيضاً لم يتم التوافق على قائد جديد للجيش فتم تأجيل تسريح قائد الجيش العماد جان قهوجي لمدة سنتين، ويضاف إلى ما سبق عدم القدرة على تعيين مدير عام جديد لقوى الأمن الداخلي، فهذه المؤسسة الهامة منذ أربعة أشهر تُدار بالوكالة من ضابط إلى آخر.
وعلى الصعيد الأمني الصواريخ (المجهولة) طالت الضاحية الجنوبية، والهرمل وبعلبك، وبعبدا واليرزة، وقبلها الطيران السوري ضرب في عرسال وجرودها، والمدفعية السورية تكاد تطال قرى عكار يومياً قتلاً وتدميراً وتهجيراً، ولعل أكبر النتائج تدميراً كان متفجرة الرويس الأخيرة التي طالت اللبنانيين الأبرياء، ويبدو أن يد الإجرام التي لا ترحم لن توفر أي منطقة لبنانية، فهناك من يعمل على بث روح الفتنة مستغلاً التباين في وجهات النظر بين القوى السياسية وخلافاتها.
وتشير المعطيات أن الأحداث الأمنية لن تتوقف ما لم يحصل اختراق «ما» على الصعيد السياسي في لبنان ينعكس إيجاباً على الوضع الأمني، ومن الأهمية الإشارة بأنه رغم التوتر المذهبي والطائفي، فإن الأحداث الأمنية لم تكن نتيجة لهذا العامل وإنما لأهداف سياسية، فالاغتيالات التي طالت عدداً من أبناء عرسال وعدداً من أبناء عائلات القرى المجاورة لها، وكذلك عمليات الخطف والخطف المضاد ما بين عرسال وبعض القرى المجاورة كانت نتيجة لخلافات مادية بين مجموعة من المهربين من أبناء عرسال (السنّية) وأبناء بعض العائلات (الشيعية) في منطقة بعلبك – الهرمل يستخدمون طريق التهريب الذي يربط عرسال بالأراضي السورية، فعمليات القتل والخطف لم يكن لها أي بُعْد مذهبي بالمطلق، ولكن التوترات والتباين في وجهات النظر جعل البعض يعتقد أن هذه الحوادث الأمنية التي ما زالت منطقة بعلبك – الهرمل تعيش نتائجها حتى الآن أن لها بُعداً مذهبياً وهذا ليس صحيحاً، فاتهام عرسال كان خطأ وكذلك اتهام حزب الله كان خطأ في هذه الحوادث، ويبدو أن عدم توفر قناة التواصل السليمة بين مكونات المنطقة جعل هذا «اللبس» يستحضر بقوة، ومتفجرة طرابلس بالأمس أتت في سياق استهداف الأمن والاستقرار في لبنان.
كما وأن اتهام كتلة الوفاء للمقاومة لدولة عربية وهي المملكة العربية السعودية بمتفجرة الرويس جاء نتيجة للخلاف السياسي القائم بين إيران وحزب الله من جهة وبين المملكة العربية السعودية من جهة ثانية وليس لأدلة مادية متوفرة، والسؤال كيف يتم الاتهام ويوجه لهذه الدولة والأجهزة الأمنية لغاية الآن لم يتوفر لديها أي دليل مادي ولم تلق القبض على أي شخص متهم، كما أن اتهام «البيئة الحاضنة» اتهام في غير محله فمن كشف وأعلم الأجهزة الأمنية بسيارة الناعمة التي كانت تحتوي على 250 كلغ من المتفجرات هم من أبناء «المنطقة الحاضنة»!! يبدو أن الاتهام جاء متسرعاً وعلى خلفية سياسية، فمن يلجأ إلى التعميم عادة ما يقع بالخطأ..
ويضاف إلى ما سبق إطلاق أربعة صواريخ كاتيوشا من منطقة الحوش جنوب مدينة صور، وهي صواريخ «سياسية» طالت أراضي فلسطين المحتلة، فمطلق الصواريخ يُدرك بأن اسرائيل هي مركز الاهتمام الدولي سياسياً وإعلامياً، وضرب الصواريخ على مدنها يعني شد الانتباه والاهتمام إلى هذا الحدث، ولإبعاد الاهتمام بمجزرة الغوطة الكيميائية، فالنظام السوري ارتكب المجزرة اعتقاداً منه أن وجود المراقبين الدوليين في دمشق سيبعد شبهة الاتهام عنه، إضافة إلى إدراكه بأن المجتمع الدولي لن يفعل شيئاً، فهو مطمئن الى أن أميركا وأوروبا لن يفعلا شيئاً فهو سبق وضرب أكثر من 13 مرة بالكيماوي والطيران واستخدم صواريخ «سكود» والمجتمع الدولي قدم للشعب السوري مواقف الاستنكار والتجاهل أحياناً في أغلب الأوقات، كما أن النظام يدرك أن خطوط أوباما الحمراء باتت خضراء، ولذلك مجزرة الغوطة لن تكون الأخيرة كما هي ليست الأولى.
رأى مصدر سياسي أنه لوقف التعطيل السياسي، ولمنع الفتنة ووقف التدهور الأمني، لا بد من حدوث «إختراق سياسي» بين حزب الله وتيار المستقبل، خاصة بعدما بات التحكم بمفاتيح المسارين السياسي والأمني في لبنان لدى القوى الخارجية وهم اللاعبون الكبار، وليس عند القوى السياسية اللبنانية العاجزة عن حماية استقرار البلد وأمن أبنائه.
يا أستاذ حسن !
إنّ الإغتيالات التي طالت أهالي عرسال كان قد بدأها الجيش السوري منذ بدء الأزمة السوريّة وحتّى قبل ذلك بكثير، والضحايا بالعشرات!. وكلّ هذه الإغتيالات موثّقة لدى الدولة اللبنانية وفي الإعلام. أمّا عمليات الخطف والخطف المضادّ والكمائن بين عرسال ومحيطها، فهي ليست مجرّد خلافات بين تجّار ومهرّبين، ذلك انّ مصالح هؤلاء الجماعات غالباً ما تكون مشتركة، وللتأكّد من ذلك يكفي استعراض المراحل السابقة التي خلت كليّا ممّا يُشبه الأحداث التي يمرّ بها البقاع الشمالي اليوم. ومن الدلائل أيضاً هو مقتل عابر السبيل علي الحجيري في جرد الهرمل وهو لا علاقة له لا بتجارة ولا بتهريب، يضاف إلى ذلك عمليّات القصف السوري المستمرّ للبلدة والتشليح والإذلال لعابري السبيل من وإلى عرسال… إنّ الذي يحدث بين عرسال وجوارها، إنّما يجري على خلفيّة سياسيّة ومخابراتيّة ويجسّد مؤامرة كبيرة ضدّ هذه البلدة المستهدفة، كونها خارج بيت الطاعة الدمشقي-الفارسي. والمتتبّع لموجة التحريض الإعلامي التي تقودها زمرة الفقيه الفارسي بالتناغم مع جهات رسميّة عميلة لطاغية دمشق، يستطيع بسهولة أن يستنتج أنّ عرسال موجودة على لائحة الغوطة الدمشقيّة والإبادة الكيميائية!