كتب أمجد إسكندر في إفتتاحية “المسيرة” ليوم السبت 31-8-2013:
قبل ان يسقط شهيداً، صرخ مارتن لوثر كينغ: “i have a dream”. وشاءت مشيئة ما ان تحتفل اميركا، قبل ايام، بالذكرى الخمسين لخطابه وفي البيت الابيض رئيس اسود. تحقق حلم مارتن لوثر كينغ الشهيد.
في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، اي حلم تحقق؟ وهل اصلاً استشهد من استشهد، من اجل تحقيق الاحلام؟
روعة شهادة رفاقنا انهم ماتوا من اجل الحق. ماتوا على رجاء. تتحقق احلامهم او لا تتحقق مسألة ليست مهمة بأهمية انهم شهدوا للحق والحرية. انت في المشرق. وهنا لا مكان ولا قيمة للحلم. الرجاء أصفى… أعلى… أقدس.
ماتوا ليحيا لبنان؟ ايضا لا. صودف ان السماء انزلتنا على ارض اسمها لبنان. ومشيئة رب السماء ارادتنا مسيحيين، وعند المسيحيين المشارقة الحياة على الارض تساوي الموت في الارض. ما هو أغلى، هو ان تشهد للحق وللإنسان. الاستشهاد هنا مسألة عابرة. اذا صودف الاستشهاد على طريقنا لا نغير الطريق ولا نحيد. الذي هو الطريق والحق والحياة، هو شهيدنا الاوحد. بعده ما من شهيد. لأننا هو ونحن واحد. استشهدنا مرة واحدة. بهذا المعنى خلقنا بالشهادة الاصلية.
وعندما نموت دفاعا عن “لبنان ما”، فنحن نترجى قيامتنا من حياة الارض. وقيامتنا نعيشها على هذه الارض بحب الحق والحرية. بحب الانسان. وبحب شيء اسمه لبنان. وهذا اللبنان، نريده كما احيانا كثيرة، لا يريده الاخرون. نريده على مسار التاريخ المندفع نحو القيم. نحن لا نعادي ولا نصالح. نناضل ونحارب نعم. ولكن ليس لنضالنا نكهة عداء لعدونا! نحالف ونصادق نعم. ولكن ليس لصداقتنا رائحة الحسابات الجيدة التي تمتن عروة الاصدقاء. المصادفة تضعنا على طرق الحروب والصداقات. ما ليس مصادفة هي ارادة من اراد ان ننوجد هنا، وارادتنا بأن نعيش الانسان الذي فينا. وانساننا يقول لبنان بيتنا، والحرية والدتنا والمسيح بطلنا.
لبنان وطننا حتى إشعار آخر. وكل ما ليس لبنان في المشرق، ليس وطننا لحين ان تتمدد سماء لبنان عليه.
ثمة ارض حولنا، فمن يعادينا من سكان تلك الارض، نعامله وكأن ثمة ثغرة في السماء. واجبنا ان نسد تلك الثغرة. نسدها بشوق وبحماسة. نسدها بأن نمد السماء اليهم لتمطر عليهم حق الانسان بالحرية والكرامة والمحبة.
من اندفع الى الشهادة من شهداء المقاومة اللبنانية، لم يضع كل هذه الاعتبارات قبل ان يندفع. ليس كل ما في داخلنا نعرفه. وطوبى للذين آمنوا ولم يروا. كانوا منهمكين في غمار المعارك. الآن ارتفعوا، ومن فوق اصبحوا “يروا”. ربما يجب ان ترحل الى فوق لترى كنوز داخلك. اختارهم الله من بيننا ليكرمهم بالمعرفة قبل غيرهم. ألبسهم الله رداء الرجاء قبلنا. نحن العراة وحياتنا ورقة تين.
شهداؤنا يعيشون فينا، وهكذا نحن نتكاثر في الارض. لسنا كثرة بالنسل هذا صحيح. نسلنا معتدل لأن الله اراد ان تبقى المعادلة متقاربة بين من يموت ومن يعيش. إن قلت نحن مئة فلأن لنا مئة مستشهد. ان قلت الف فلأن لنا الف مستشهد. إن قلت أصبحنا أقل من مليون ففينا مليون مقتول عَبَرَ من التاريخ الى صدورنا وضمائرنا. دائما اضربنا بإثنين. كل شاهد حي منا، فيه مستشهد حي فيه! في حساب النِسبْ سنبقى اكثر. غيرنا يموت بعضهم عن اكثرهم، ونحن كل واحد منا يموت عن واحد منا. ربما لهذا السبب لا ننتبه لماذا نموت ولماذا نحن احياء. نحن نندفع فقط. في مسائل الحق والحرية تركنا المنطق والتكيف مع الواقع لغيرنا. أجمل ما فينا أننا… نندفع ونندفع ونندفع!

ان نحيا بالحق هو ان نموت كل يوم لنولد من جديد وان نموت للحق هو ان نحيا الى الابد فكم من حي كفنه الجبن قبل موته وكم من مائت ريع من شجاعته الكفن