في سياق الأسطرة التي يعتمدها ” حزب الله ” حول قدراته الهائلة، وإحاطة نفسه بهالة “إلهيّة”، أوحى لغلاة مؤيّديه وعَبَدَة قوّته، في السياسة والإعلام، بالترويج لصمته المطبق حول “الضربة” الأميركيّة للنظام السوري، كدليل على هذه القوّة الخارقة و”المفاجآت” التي يخبّئها.
فقد دأب كَتَبَته والناطقون باسمه، خلال الأيّام القليلة الفائتة، على تفسير صمت قائده كعلامة من علامات الثقة بالنفس، وكمؤشّر إلى تبييته ردّاً “صاعقاً ومزلزلاً” على العمليّة الأميركيّة المتوقّعة!
لا أحد يناقش حق “حزب الله” في عملقة نفسه إلى حدّ مقارعة القوى العظمى، ومصارعتها وربّما صرعها، ولا في مبدئيّة التزامه مشروع دولة الفقيه وتنفيذ أوامرها ولو على حساب اللبنانيّين عموماً، وشيعتهم خصوصاً.
لكنّ فعل العملقة هذا لا يتناسب مع قدراته الفعليّة وطول باعه العسكري.
قد يكون قادراً على إلحاق الأذى بمصلحة أميريكيّة ما عبر تفجير هنا أو هناك، كما فعل في بداياته، وعلى توجيه صواريخ إلى إسرائيل رغم إعلانها أنّ الحرب على النظام لا تعنيها، ورغم معرفة الجميع أنّها تعمل على عرقلة القرار الأميريكي بتوجيه الضربة بعدما ساهمت في تعطيل القرار البريطاني عبر تصويت النوّاب اليهود في مجلس العموم ضدّ قرار حكومة كاميرون. وهو قادر طبعاً على إيذاء خصومه اللبنانيّين.
غير أنّ دور “حزب الله” القتالي متواضع جدّاً في ميزان العمليّة العسكريّة العالية الدقّة والفاعليّة، وليس في استطاعته تغيير مسارها وأهدافها ونتائجها. ولا يُمكن هنا القياس على معركة القصير.
في حرب الكبار يتهافت دور الصغار، فيتحوّلون فقط طعماً للنار.
لنفترض مثلاً أنّ “حزب الله” استطاع عرقلة العمليّة الأميريكيّة وتوجيه ضربة موجعة، في مكان ما، إلى الأميركيّين، فهل نستبعد إذّذاك توجيه صاروخ “توماهوك” أو “كروز” واحد إلى مربّع قيادته في الضاحية؟ وماذا تكون النتيجة آنذاك، هل أقلّ من كارثة؟
قد ينجو نصرالله بنفسه من الصاروخ، بعدما أعلن عن رغبته الشخصيّة في الذهاب إلى سوريّا على رأس قيادته والقتال هناك، ولكنْ، أَلاَ يعنيه مصير الناس في الضاحية أو في أيّ مربّع قد يكون مستهدفاً في البقاع أو الجنوب؟ إلاّ إذا فرّغها من مقاتليها وأهلها إلى؟ .. إيران؟! .. بل اللامكان!
إنّ الإنخراط في هذه المغامرة ليس لعبة بسيطة، بل أشدّ خطورةً وفتكاً من لعبة ” لو كنت أعلم ” صيف 2006. ولا يتصوّر عاقل أن تكون قيادة ” حزب الله ” قد مسّتها اللوثة الإنتحاريّة على مذبح مشروع طهران، قاتلةً أو مقتولة.
وإيران نفسها تضرب أخماسها بالأسداس ، وتتهيّب الورطة الملعونة، وتعوّض عن عجزها برفع عقيرتها الإعلاميّة بالتهديد والوعيد.
وروسيّا أيضاً تحسب ألف حساب، وتبحث عن ثمن ما لالتزامها السكوت، ولو كانت تقوم باستعراض لسفنها الحربيّة قبالة سوريّا.
وقد رأينا أيّ نوع من المكاسب تباهت حتّى الآن بتحقيقها: حَسْبُها أنّها رصدت انطلاق صاروخ تجريبي في شرق المتوسّط وأشادت بدقّة راداراتها. رصدت وسجّلت. وكفاها الله شرَّ القتال!
في غمرة هذه الترسانة العالميّة الإستثنائيّة، تبدو قوّة “حزب الله” وطواطاً على سنام جَمَل.
ولا يُمكن تفسير صمت قيادته كدليل قوّة، بل كمؤشّر إرتباك.
ولا عيب في هذا الإرتباك في حال اقترانه بالتعقّل والتبصّر.
وإذا كان ” حزب الله ” قد استكبر وطغى وتجبّر وعربد ، وشَهَر قوّته في وجه اللبنانيّين على مدى سنوات، مستغلاًّ سلميّتهم ورغبتهم في الخروج من المحن التي أذاقتهم المرّ 40 عاماً، ومارس قوّته ضدّ السوريّين في بعض مناطقهم المعزولة وأطلق على حروبه ألقاباً إلهيّة ومجيدة وتحريريّة ، فإنّه أعجز من الإستكبار في وجه العمالقة.
ولعلّه ، وهو يُقدّم نفسه ” شيعة الإمام علي”، يتذكّر الحكمة الإماميّة القائلة: “أَلاَ رَحَمَ الله امرءاً عرف حدّه فوقف عنده”.
وعلى اللبنانيّين أن يشدّوا على يد حسن نصرالله إذا كان صمته صمت العقلاء الذين يعرفون طول قاماتهم.
أمّا إذا كان صمته الصمت الذي يسبق ساعة التخلّي والتهوّر والانتحار، و”زلزلة الأرض” كما يروّج مقلّدوه ، فليس عند اللبنانيّين سوى الدعاء… ثمَّ البكاء.
أن يدفع
هوس السلطة ديكتاتوراً إلى قتل شعبه بالآلاف بدون رفة جفن أو ضمير ، وأن تساند هذا
السفاح دول كبرى خدمة لمصالحها السياسية الآنية والمستقبلية ، وأن يضرب سياسيون
وعسكريون بعرض الحائط قيم الشعوب وحقّها في الوجود الآمن والكريم .. كلّ هذا نشهده اليوم في سوريا المسجونة داخل
نفق النظام البعثي والمتطلّعة إلى التحرر من ربقته ، كلّ هذا نشهده ونعمل على
تحليل أسبابه وتبعاته وعلى تقدير مصائر المرتكبين ، نشهده ويثير فينا الحزن الشديد
!!….. أن يجاهد حزب الله لمناصرة القتلة ، وأن يتنطّح إعلامه وإعلام تابعيه
للدفاع عن القتلة ، وأن نرى بعد كلّ المجازر الأسدية أشخاصاً ” لبنانيين
” يرفعون في بيروت وبلا حياء صور الأسد .. كلّ هذا نشهده اليوم في لبنان بفضل
جهات تفضّل الإرتهان على الحرية والإستزلام على الكرامة الإنسانية ، كلّ هذا نشهده
ونحاول اكتشاف مسبباته واستشراف نتائجه وتقدير مصائر المرتهنين ، نشهده ويثير فينا
الإشمئزاز !! ….. لكن أن نرى ونسمع وبذهول مطلق رجل دين لبنانياً مسيحياً يستميت
في الدفاع عن نظام الأسد وفي البحث عن مفردات تظهره بريئاً مما اقترفه ويقترفه ،
أن نراه يتحدث باسم الكنيسة الكاثوليكية وبحنوّ نادر متوسلاً عدم ضرب النظام ، وأن
نراه يجزم بأنّ الحرب ضد سوريا لن تغيّر شيئاً وأن لا داع لأيّ عقاب بعد خنق
الأطفال في أسرّتهم ….. كلّ هذا نشهده اليوم من مظلوم عونيّ بعثيّ إيرانيّ ؟!
لسنا ندري . ففي هذه الحالة لا تهمّ الإنتماءات الفرعية الملوّثة بالدماء طالما
أنّ الإنتماء اللبناني والإنساني الحرّ غائب كلياً عن هذا المشهد المستغرب
والمقزّز في آن ، ولا حاجة هنا إلى تقدير مصالح هؤلاء المضلّلين !! .