في الواقع لم أكن أنوي التعليق على مقابلتك التلفزيونية الحافلة بالتناقضات وذلك من باب إحترام الذات، ولكن وبعدما رأيت وسمعت مدى مجافاتك للحقيقة والواقع، وكوني عايشت وما زلت كافة المراحل التي مرّت بها “القوات اللبنانية”، أراني مدفوعاً لوضع النقاط على الحروف كي لا يساء الى “القوات اللبنانية” من أحد الذين مرّوا يوماً في صفوفها.
لم أكن انتظر منك وفي مناسبة إغتيال القائد المؤسس بشير الجميّل أن تعمد الى تقزيم المناسبة وتشويه صورة “القوات اللبنانية”، من خلال الاصطفاف ومنذ الدقائق الاولى من المقابلة خلف النظام الذي إغتال بشير.
إن دعوتك المُبطّنة التي اطلقتها من اجل حمل السلاح والتوجه الى معلولا، لا تهدف إلاّ الى تبرير وجود “حزب الله” في سوريا، بحجّة الدفاع عن مقام السيدة زينب. اي، بشكلٍ ادقّ، هي عملية استغلالٍ لقضية معلولا، والزّج بالمسيحيين اللبنانيين في اتون النظام السوري، من اجل التعمية على تورّط “حزب الله” في قتال الشعب السوري.
وبالانتقال الى حديثك عن حرب الالغاء وإعتبارك ان الهدف منها كان السيطرة على المنطقة الشرقية، فهو حديث مردود جملة وتفصيلاً، إذ من العيب أن تغسل يديك من هذه الحرب تحديداً، وأنت أول من يعرف كيف بدأت طلائعها في 14 شباط 1989 يوم كان قائد “القوات اللبنانية” خارج لبنان فيما انت واكبت الأحداث منذ اللحظة الاولى.
ألست انت من قال بعد انتهاء تخريج السرية الاولى من لواء الدفاع: “الآن نستطيع أن نستردّ ما سلب منّا في 14 شباط”؟ هل نسيت او تناسيت؟! وطالما أننا في معرض النسيان، ومن باب التذكير ليس إلا، ألفت نظرك بأن الحرب تحتاج الى طرف واحد فقط فيما يحتاج السلم الى طرفين.
إن حرب الالغاء يا حنا اندلعت اساساً لتجريد “القوات اللبنانية” من سلاحها، فيما انت تعيب على قائد “القوات اللبنانية” أنه قام بتسليم سلاح “القوات” بالمطلق بعد اتفاق الطائف. وفاتك أن اتفاق الطائف كان نتيجة طبيعية لحرب التحرير التي أضعفت المسيحيين يومها، وأتت حرب الالغاء لتقصم ظهرهم، وتأتي أنت اليوم وبشكل عنتري لتدعي بأنه لو كان الامر يعود اليك لكنت اشتريت المزيد من السلاح وكنت جنّدت المزيد من العسكر!!!
فاتك يا حنا ان المقاومة ليست بندقيةً فحسب، وخاصةً في ظل اختلال موازين القوى، واستنزاف المجتمع المسيحي مادياً ومعنوياً بفعل حروب العماد عون العبثية، وفي ظل تحوّل السلاح الى عبءٍ على “القوات اللبنانية” والمسيحيين.
إن “القوات اللبنانية” لم تحمل السلاح إلاّ مُكرهةً، ولهدفٍ مُحدد هو الدفاع عن لبنان بالوكالة، وذلك لحين تمكّن الأصيل، اي القوى الشرعية، من الإضطلاع بواجباتها.
اما انت فترى في السلاح غايةً وليس وسيلة. اي انك تريد حمل السلاح للدفاع عن السلاح، وبذلك تذكرنا بمواقف “حزب الله” وسلوكه.
إن القيادة الحقّة ليست عنتريات وغوغائية وديماغوجية وانتحار وسلبية، وإنما هي قبل كل شيء التزام ومسؤولية ووعي وتضحية بالذات في سبيل الجماعة. يكفي في هذا الإطار ان نستعرض نموذجين من القيادة: الأول، وفيه يُضحّي “القائد” برجاله وشعبه من اجل شبقه السلطوي، ومن ثم ينفذ بريشه، ليعود بعدها فيتحالف مع من قتل رجاله وشعبه من دون ان يرف له جفن. والنموذج الثاني، وفيه يُضحّي القائد بنفسه فداء عن رفاقه ومجتمعه، ويرفض ان تراق نقطة دمٍ واحدة سُدىً، ويلتزم بمواقفه الوطنية والسيادية رغم كل التهديدات والإغراءات والتهويل.
ولا شك ان سلوكك اليوم ومع الأسف مُستوحى من النمط “القيادي” الأول، ولذلك فإنك لا تتورّع عن إطلاق المواقف غير المسؤولة، وحضّ بعض الشبّان المُغرر بهم على اقتناء السلاح وسوقهم الى النحر كالخراف.
لو اخذ الدكتور جعجع بـ”نصيحتك” في ذلك الوقت، فرفض المقاومة السلمية السياسية لمصلحة الإستمرار في العمل العسكري، لكانت “القوات اللبنانية” تحولّت الى مجموعة قتلى وجرحى من دون اي افق. ولكن حكمة الدكتور جعجع ومسؤوليته تجاه الله والتاريخ، تبدّت من خلال قراره بدخول المعتقل منفرداً، عوض إدخال رجاله الى القبور.
نحن يا حنا وفي فرقة “الصدم” تحديدا، لا يمكن ان نزاوج البطولة الحقيقية بالبطولات الوهمية ولا أن نحوّر الوقائع لغاية في أنفسنا. خجلت من نفسي متى رأيتك تختلق رواية بحق رفيقنا جهاد سليمان، حول إيفاده من قبل الحكيم لاستطلاع الممرات الحرجية بين غدراس والسفارة البابوبة، من دون ان تجرؤ حتى على ذكر إسمه، وانت تعرف أكثر من غيرك أن الحكيم لم يكن وارداً لديه اللجوء الى أي مكان داخل وخارج لبنان، وهو من عرض عليه أكثر من مرّة ومن الرئيس الياس الهراوي تحديدا أن يترك البلاد ولم يفعل.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، نحن في “القوات اللبنانية” لم نهدم مجد أحد في أيام المحن وإلا لكنا توقفنا طويلاً أمام الإفادة الكاذبة التي أدليت بها خلال التحقيقات لملاقاة إفادة جريس خوري بغية توريط “القوات اللبنانية” في قضية سيدة النجاة، في مقابل أن تخرج انت “مثل الشعرة من العجين”. وهذا ما حصل بالفعل.
عقدتك الأساسية هي في كون الحكيم تجرّأ حيث لم تجرؤ انت، فقرر دخول المعتقل مفتدياً بذلك رفاقه وقواته، امّا أنت ففضّلت مغادرة لبنان، والنفاذ بجلدك. ولو انك استفدت من وجودك في الحرية لخدمة القضية التي دخل الحكيم لأجلها الى المعتقل، لكانت مغادرتك الأراضي اللبنانية مبررة ومفهومة ومُشرفّة، ولكنك استغليت ذلك للحرتقة على “القوات” وشق صفوفها، عملاً بمقولة “فرّق تسد”، ثم عدت الى لبنان مرتضياً لنفسك لعب دور حصان طروادة. فيا للعار!!
إن الحكيم لم يُوجّه طلباً حصرياً لك لمغادرة لبنان، وإنما هذا الطلب شمل العديد من قياديي “القوات اللبنانية”، حرصاً على سلامتهم ومنعاً لتعرضّهم للتنكيل والإعتقال. فلماذا فضّلت المغادرة، فيما قرر سواك البقاء والصمود، رغم الإضطهاد والتعذيب والإعتقال؟ وما الذي منعك من أن تبقى طالما أنك لم تحال أمام أي محكمة وطالما أنك كما قلت عدت الى مطار بيروت بكل “حريّة”.
قل لي يا حنا هل “حلت بعينيك” كل المربعات الأمنية الفعلية التابعة لـ”حزب الله”، والأمن الذاتي غير الشرعي الممتد من البقاع مروراً بالضاحية وصولاً الى الجنوب، و”تضيق في عينك” بعض الأحراج والتلال المحيطة بمعراب التي تخضع لحراسة ورقابة القوى الشرعية اللبنانية دون سواها. لكن القصّة ليست قصّة تلال واحراج ومربعات امنية، وإنما تتعلّق باستقصاء معلومات حول القوى التي تتكفّل بحراسة تلك التلال والتي تُعيق المجرمين والقنّاصين من تكرار فعلتهم مرّةً ثانية!! وإن اللبيب من الإشارة يفهم.
أن يتلعثم لسانك كلما سئلت عن سلاح “حزب الله” لهو أمر بات مفهوماً اليوم، ولكن أن تصير طليق اللسان متى تعلق الأمر بالهجوم على بني جلدك فهو أمر مخزي ومدعاة للخجل.
لقد كان حرياً بك ان تعود الى الجذور، وتنكّب على مطالعة مجلة “المسيرة”، عوض تحولّك الى مصدرٍ “غير موثوق” ترتكز اليه بعض أقلام صحيفة “الأخبار”، فـ”المسيرة” توافقك الرأي بأن معركة زحلة أتت ببشير الجميّل الى سدّة الرئاسة ولكنها حتماً تدمع متى سمعتك تقول إن معركة زحلة أتت بالياس الهراوي أيضا!!!
ولي معك يا حنا وقفة قصيرة مع معزوفتك الشهيرة “أين أصبحت أموال القوات”؟ فالسلاح أرسل الى يوغوسلافيا السابقة وشاءت الظروف أن تندلع الأحداث هناك وتتجزأ يوغوسلافيا الى عدة دول مستقلة فلم يعد هناك إمكانية للبيع ولا للشراء.
أما أموال “القوات” بعد خروج الحكيم من المعتقل فكانت ديون ناهزت العشرة ملايين دولار أميركي متوجبة الى عدة مصارف عدا الاملاك والعقارات المصادرة او المسلوبة. ولأن المؤتمنين على أموال “القوات” مؤتمنون بالفعل وليس فقط بالقول قاموا باستعادة ما أمكن إستعادته وتمّ الانتهاء من كافة الديون المستحقة.
وفي عودة الى بيت القصيد وحديثك عن “القوات اللبنانية” المؤسسة، فهو مردود عليك وعلى كل من يتطاول على “القوات اللبنانية” اليوم.
نعم، أصبحت “القوات اللبنانية” وبفضل سمير جعجع تحديداً مؤسسة حزبية ديمقراطية رائدة، لها نظامها الداخلي وشرعتها ومداولاتها الراقية العصرية على غرار ما تكون عليه سائر الاحزاب في الدول المتقدمة.
اما أن تعترض يا حنا على مادتين او ثلاثة فهذا حق ولكن حق “القوات” عليك أن تقبل بما يصدر عن الهيئتين العامة والتنفيذية في “القوات” وفيها رفاق يفهمون معنى الديمقراطية والنقاش الحرّ والمناقبية الحزبية.
نعم أصبحت “القوات اللبنانية” مؤسسة وبفضل سمير جعجع تحديداً:
ترعى الشهداء وتهتم بذويهم واحتياجاتهم ولا تكتفي بذكرهم والتلاعب بمشاعرهم.
تهتم بمصابي الحرب والمعوقين ولا تشجّع الشبان على الحروب العبثية.
تواكب الأسرى المحررين قانونا وتشريعا ولا تمجّد سجانيهم وجلاديهم.
تبذل الغالي والرخيص لإعادة المنفيين الى ربوع الوطن ولا تتشدق بصداقة من نفاهم.
تلك الصداقات التي تفخر بها يا حنّا، هي صداقات إستئجار الشقق وتجنيد الناس وتوزيع السلاح ورخصها، هي صداقات قاتلة فهنيئا لك بها…
أما بعد، ولكل الأسباب التي ذكرتها، انا اليوم في معراب وربما غداً في مكان آخر وفق ما يمليه علي واجبي الحزبي، وليس تعويضاتي المالية كما حاولت أن توحي به خلال مقابلتك، فـ”القوات” يا حنا علمتنا أن نعطي لا أن نأخذ…
وفي الختام، حنا العتيق بالنسبة لي ولكل رفاقي بات صفحة عزيزة مطوية، وحنا “الجديد” لا مكان له بيننا، ولم يعد حنا العتيق بقادر على تجيير نضالاته لمصلحة حنا “الجديد”، فما كتب قد كتب والسلام.
