في نهايات الشهر الحالي تكون قد مرت على ولادة اتفاق الطائف ٢٤ سنة كاملة فيما الكثير من بنود ميثاق انهاء الحرب اللبنانية لا يزال حبرا على ورق. انها مسيرة شائكة في تاريخ الصراع الدائم في لبنان بين التسويات التي يسبغ عليها طابع تاريخي على اعتبار انها ملزمة دستوريا وسياسيا ومعنويا وحتى اخلاقيا، فاذا بالرمال المتحركة التي تطبع تركيبة لبنان وترهن مصيره دوما بالارتباطات الخارجية بالدرجة الاولى سرعان ما تحول المواثيق سجلات ارشفة من الماضي وتعيده الى منطق ميزان القوى وحده الذي يتحكم بواقعه البائس الذي استعصى معه قيام دولة راسخة.
موضوعيا ليس “اعلان بعبدا” الذي يصادف تصاعد الجدل حوله الآن مع اقتراب الذكرى الـ٢٤ للطائف الوثيقة التسووية الاولى والتي لن تكون الاخيرة التي يطيحها او يهدد باطاحتها تنصل من التزام او انقلاب عليه بفعل ارتباطات لبنانية بالخارج. كان انفجار حرب ١٩٧٥ اساسا النتيجة الاشد دراماتيكية لتمزق اتفاق القاهرة الذي على علاته المخيفة في تنصيب الدويلة الفلسطينية شريكا مضاربا للسيادة اللبنانية فشل ايضا في تنظيم التعايش بين دولة ابو عمار والجمهورية اللبنانية الكاملة السيادة على الورق فقط. حتى ان بشير الجميل بطل المقاومة اللبنانية للدويلة الفلسطينية اغتيل لانه في العشرين يوما بعد انتخابه اصاب سائر القوى الاقليمية وفي طليعتها سوريا واسرائيل بذعر تحييد لبنان.
لم يستقم الطائف الدولي والعربي واللبناني بنسخته الاصلية ايضا سوى اسابيع كانت الاسابيع الاخيرة من عمر الرئيس المنتخب الآخر رينه معوض ليحل باغتياله الطائف السوري الصافي دون اي شريك. وحتى مع التعايش بين هذا الطائف والحضور المؤثر للرئيس رفيق الحريري كان مقيضا للطائف ان يذهب الى الجحيم نهائيا مع اغتيال الحريري لولا زلزال ١٤ آذار.
اما تسوية الدوحة فكانت في بعدها الحقيقي تنظيم اشتباك سياسي على وقع ميزان قوى شديد الاختلال بعدما وجه قسم من سلاح “حزب الله” الى الداخل للمرة الاولى وهي التسوية التي قضمت الكثير من القدرة على حماية الطائف تحت وطأة التسليم بميزان القوى القسري هذا. ولم يفد الامر طويلا بدليل الانقلاب عليها لاحقا وحتى الساعة.
مع المعطيات الهائلة الجديدة الناجمة عن الحرب في سوريا ترانا امام ورقة اخيرة تنازع البقاء. “اعلان بعبدا” في حزيران ٢٠١٢ كان الورقة الاخيرة التي امكن اجتراحها بشق النفس للابقاء على ورقة تين اجماعية تسلم بمبدأ تحييد لبنان عن اهوال انعكاسات الازمة السورية على لبنان. ولكن رهانا على تسوية للصراع السوري، على استحالتها، قد يغدو ممكنا في يوم اكثر بكثير من رهان على انقاذ ما لم يعد قابلا للترميم في اسقاط الاجماعات والمواثيق اللبنانية.
إذا أردنا أن نتحدث عن الأخلاق واللياقات الإجتماعية ولا سيما في برقيات التعزية يحضرنا أولاً إسم جميل السيد ، وإذا أردنا أن نشاهد أحد ” الظهورات ” الإعلامية السخيفة والفارغة والمرتكزة فقط على قاعدة التهديد المستقوي بالسلاح الخمينيّ يحضرنا أولاً إسم وئام وهاب ، أما إذا أردنا أن نضع عيوننا وآذاننا وذكاءنا ومنطقنا جانباً فتحضرنا أسماء كلّ قادة حزب الله الأجلاء . دليلنا الأخيرعلى كبر أخلاق السيد هو الحبر الأسود الذي استخدمه في تعزية جنبلاط بوفاة والدته ، ودليلنا على سخافة وهاب هو جميع مقابلاته الإعلامية الزاخرة بالمستوى التعبيريّ المتدني ، أما دليلنا ” الفاقع ” على محاولة حزب الله استغباء الناس علناً وبوقاحة غير مقبولة فهو رفضه اعتبار إجراءات الحزب في الضاحية أمناً ذاتياً وتوصيف هذه الإجراءات ” بالإسعافات الأولية بانتظار الدولة ” !! لذا ، فنحن ، وإذ نستنكر لغة مراسيل السيد ورسائل وهاب ، فلا بدّ لنا أن نعترف بأننا لم نكن حتى الأمس ندرك أن حزب الله هو الصليب الأحمر ، وأن سياراته الرباعية الدفع هي ببساطة سيارات إسعاف ، وأن ” مجاهديه ” هم متطوعون جاهزون أبداً لأيّ حادث سير أو أزمة قلبية مفاجئة ! فسامحنا يا حاج محمد رعد لأننا لم نكن ندرك أنك مسعف تنتظر الدولة وأن سيدك في لبنان وسادتك في إيران يضخون في قلوبنا ألأوكسيجين المقدّس الإلهي وأنّ سلاح حزبك دواء وليس داء ! ….. ما ندركه فقط في هذا المجال يا حاج ويا سيد ويا سادة يتلخّص بأمرين : الأول أنكم استقيتم تعبير ” الإسعافات الأولية ” من أجواء حليفكم السفاح الذي لم تنفع كل الإسعافات في إنقاذ من أبادهم ، والثاني أنّ الإسعافات الأولية وما قبل الأولية وما بعد الأولية هي ما يحتاجه لبناننا واللبنانيون لكي يستطيعوا التنفّس في ظلّ وجودكم الضاغط والثقيل على كلّ الأنفاس التي تعشق لبنان والحرية !!