#adsense

تصبحون على كيماوي

حجم الخط

 

“عندما يذهب الشهداء إلى النوم أصحو
وأحرسهم من هواة الرثاء
أقول لهم تصبحون على وطن
من سحاب ومن شجر
من سراب وماء”
(محمود درويش)

عن محاكمة آيخمان:
خلال محاكمة “أدولف إيخمان” في إسرائيل سنة ، وهو أحد منفذي “الهولوكوست” أثناء الحرب العالمية الثانية، عوين من قبل كبار علماء النفس فأكدوا أنه خالٍ من كل الأمراض النفسية, لا بل إنه إنسان طبيعي بكل معنى الكلمة، وقد يكون إنساناً مثالياً في علاقاته الأسرية والاجتماعية والشخصية.

لقد دحض هذا التحليل كل الدعاية التي حاولت أن تصور القادة النازيين بأنهم من أصحاب الشخصيات السادية المريضة والعديمة الإحساس من المعادين للمجتمع، أو حتى إنهم وحوش تقمصت في إنسان.

في خضم المحاكمة صرحت “هانا أرندت” بعد أن شاركت في فعالياتها وقالت: “على الرغم من كل الجهود والاضطهاد الذي مورس ضده أثناء اعتقاله أو خلال المحاكمة، لقد تأكد للجميع بأن ايخمان ليس بوحش ولكنه أحياناً تصرف بنوع من الاستخفاف والتجاهل أثناء المحاكمة، ولكن التركيز على حجم الجرائم التي نسبت إليه جعل قضية الاستخفاف غير ذات أهمية”.

لو راجعنا التاريخ الموثق للاجتماع الإنساني لكان من المستحيل وصف شخص أو حالة واحدة بالشر المطلق، حتى وإن أدت حالاتهم إلى إدخال البشرية في مذابح ومحارق بعضها بحجم الكوارث التوراتية. فالمسألة دائماً كانت نسبية وتعتمد على الموقع الشخصي من الحدث، ولكن المؤكد هو أن الضحايا كانوا دائماً يعتبرون جلاديهم شراً مطلقاً مهما كانت أهداف هذا الجلاد. وقد تشمل أهداف بعض الجلادين نشر رؤى وقواعد سلوكية وقوانين وعقائد لا حصر لها وهي برأي الجلاد لمصلحة البشرية.

بناء على ذلك فإن “أشعيا” كانت له مبرراته الأخلاقية لإبادة بشر وحجر، وحتى حيوانات “أريحا”، وكذلك كان “الإسكندر المقدوني” عندما أحرق صور، وربما “تيمورلنك” عندما استباح بغداد وحلب ودمشق وطرابلس، والعرب في فتوحاتهم والصليبيون في حملاتهم والإسبان والبرتغاليون والهولنديون والإنكليز في غزواتهم واستعمارهم، وهتلر وموسوليني والخميني وصدام ومعمر…

كلهم كانت لهم أهدافهم “السامية” ولكن رأي الضحايا في كل مرة كان عكس ذلك! لا شك في أن بعض الطغاة في العالم كانوا من أصحاب النفوس المريضة، ولكن المؤكد هو أنهم في معظمهم كانوا ربما يوصفون بكل الصفات الحميدة من حكمة ورقة وصدق وإخلاص. كل ذلك لن يغير في وجهة نظر الضحايا شيئاً، فقرار القتل أو السجن أو التعذيب أو التدمير لن يغير في نتيجته إن أصدره حاكم متزن أو مضطرب، حكيم أو سفيه، ملاك أو شيطان. ولا أظن أن القتيل سيسأل عن وسائل أو أسباب أو مسوغات قتله لأن قاتله هو بالنسبة له شر مطلق ولن يفرق إن كانت وسيلة قتله أسلحة كيماوية أو رصاصة أو دمار أو جوع.

لست اليوم في صدد تعداد جرائم نظام الأسد، فقد تكون فقط وجهة نظر مني هي حاقدة وغير محايدة، ولكن ببساطة فإن أعداد الضحايا وحجم الدمار الذي أتى على خلفية وجود هذا النظام يكفيان لنعته بأحد أوجه الشر وإن لم يكن الشر المطلق والوحيد.

لقد استفاقت البشرية بعد الحرب العالمية الثانية على مسائل حقوق الإنسان وأنتجت شرعة مبادئ تحولت إلى قانون أممي بعد أن كانت وحوش الأمم تعتبرها قضايا سيادية، فكانوا يقتلون وينكلون ويسجنون الناس من دون حساب أو خوف من مساءلة بحجة السيادة الوطنية. وكانت العادة أن يتهموا كل من استجار بشرعة حقوقه الأممية بأنه “يستدرج الأجنبي للتدخل بالشؤون الوطنية” وبالتالي فهو “عميل امبريالي وصهيوني” مما يعني أن الحاكم كان على حق بقتله وسجنه وتهجيره بالأساس حتى وإن حصل ذلك قبل مطالبته بحقوقه كمواطن أولاً وكإنسان ثانياً.

يعني أن المواطن في ظل الطاغية العربي عنده خياران لا ثالث لهما، فإما القبول باستباحة حقوقه كمواطن وكإنسان أو أن يقتل أو يسحل أو يسجن بتهمة العمالة. وهنا يدخل الكيماوي كعنصر مكمل ليس إلا، فما الفرق للضحية إن كانت متهمة بالعمالة وأعدمها الحاكم بصاروخ سكود عليه العلم الوطني أو ببرميل بارود أسقطته طائرة عليها العلم الوطني أو بشحنة كيماوي حضرها عالم وطني عروبي ذو نخوة وهمة وهو مقاوم وممانع؟ فالمهم هو المحصلة وهي حتى الآن مقتل أكثر من مئة ألف “عميل للاستعمار” والحبل على الجرار.

لن أتوقع أمام هول المأساة وحجم المجزرة المستمرة أن يستحي الرداحون ويتوقفوا ولو لحظة عن مشاركتهم المعنوية في قتل الناس من خلال مؤتمرات “للتنديد بالعدوان على سوريا”، أو أن يستيقظ ضمير من باع ضميره الإنساني من خلال الدفاع عن نظام القتل الجماعي في الصحف وفي الوصلات التلفزيونية، ولا أتوقع بالطبع أن يتراجع المشاركون في حفلة القتل على الأقل رأفة بالمظلومين.

ولكن المقلق هو أنه على الرغم من خبرة العالم الحر الطويلة في مسار أنظمة الطغاة فما زال ذلك العالم يعطي الفرص لبعضهم للاستمرار والمماطلة والمراوغة وشراء الوقت للمزيد من القتل والتدمير بكيماوي وبغير كيماوي.

لن أحاول اليوم الاختباء ومحاولة تجنب سيل شتائم واتهامات الرداحين من أتباع السفاحين وأقولها بكل وضوح وفخر، لقد آن للعالم ليس فقط أن يضرب الاداة التي يستعملها بشار أو أن يكتفي بتجريده من سمومه، بل عليه أن يلاحقه إلى داخل كل وكر من أوكاره إلى أن يسوقه للمحاكمة كما سبق قبله المئات من وحوش البشرية وإلا فهم يقولون للسوريين ولغيرهم من الشعوب المؤمنة بالعدالة الدولية “تصبحون على كيماوي”!

المصدر:
المستقبل

One response to “تصبحون على كيماوي”

  1. With all do respect, and with a regret Dr.Alloush, our technology has surpassed our humanity where the hall world turned to monster.

خبر عاجل