#adsense

اتّهَموا جعجع بـ”الأمن الذاتي”.. وطبَّقوه

حجم الخط

كتبت فاطمة حوحو في “المستقبل”:

بدأ “حزب الله” رحلة الدوران حول نفسه باختياره “الأمن الذاتي” حلاً لمعالجة التفجيرات التي يعانيها لبنان، وكأن إقامة الحواجز وتركيب “السكانر” وتفتيش السيارات وإخضاع الناس لرهاب يومي وإرهاب بقفازات ناعمة قادر على حل الأمور، الناس يتوجسون مما ستؤدي إليه سياسة “حزب الله” الأمنية، في اقتطاع المناطق المهيمن عليها وفصلها عن الوطن، فهي عدا عن أنها أربكت وتربك حركتهم اليومية، أثبتت أنها إجراءات غير ناجحة بحكم التجارب التي أجراها الحزب نفسه على حواجز من خلال تمرير سيارات مفخخة من دون اكتشافها، إضافة الى الخوف من الأكبر أي مشروع الدويلة الخاصة التي يفترض وجودها طرد سكان واضطهاد أشخاص وعائلات بحكم الانتماء الطائفي أو الحزبي أو العقائدي، وهو أمر يضرب النسيج اللبناني. والسؤال هل تكون المعلومات التي ترددت خلال اليومين الماضيين عن خطة أمنية بمشاركة القوى الأمنية والجيش في الضاحية هو البديل ويسلّم “حزب الله” أمره للدولة، مع أن الأمر مستبعد إذا لم يقتنع بتسليم سلاحه الى الشرعية أو إذا لم يسحب مقاتليه من سوريا؟.

لقد أثبتت تجارب معظم القوى الميليشيوية أثناء الحرب الأهلية فشلها في ضبط الأوضاع الأمنية وأدت “الغيتوات” التي أقيمت الى صراعات داخلية دامية في كل المناطق اللبنانية، الى أن جاء إتفاق الطائف ليخرج الجميع من أزمته ويخرج اللبنانيين من عنق الزجاجة، وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق لم ينفذ بكامل بنوده، إلا أنه نجح في لم سلاح الميليشيات وانضواء العديد من عناصرها في مؤسسات الدولة وهذا ما سمح بقيامة لبنان من بين الرماد.

ومنذ ذلك الحين لم يلجأ أي طرف الى خيار “الأمن الذاتي”، سوى “حزب الله”، مع العلم أن “القوات اللبنانية” مرّت في ظروف صعبة ولم تختر اللجوء الى مثل هذا الخيار في العام 1994، رغم الملاحقات والتهم الملفقة التي أدت الى تغييب قائدها الحكيم أكثر من عشر سنوات في السجن.

كان تطبيق الطائف يخضع لمزاجية الوصاية السورية في هذا الشكل أو ذاك، فالمسيحيون سواء أخطأوا أو أصابوا في مقاطعتهم لانتخابات 1992 التي شهدت أقل نسبة مشاركة شعبية في تاريخ لبنان، وبقي جعجع مصراً على الالتزام باتفاق الطائف مع أنه رفض مرتين المشاركة بشخصه إذ كان عصياً على التطويع ولم يكن ليقبل بخرق أحكام الميثاق الوطني من قبل أرباب السلطة، ومن أجل ذلك تفتقت عبقرية الأجهزة المخابراتية السورية المجرمة، لوضع جعجع في سلة الوصاية، بوضع انفجار في كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل في 27 شباط 1994، ما أدى الى سقوط 9 شهداء من المصلين و56 جريحاً على أبواب زيارة متوقعة للبابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان، مما أربك الساحة المسيحية، وبدأ الضغط على “القوات”، بعد أن عقد جعجع مؤتمراً صحافياً في غدراس داعياً لمحاسبة المسؤولين لأنه “لم يعد مسموحاً ولا جائزاً أن تصدر المراجع القضائية أحكاماً فورية هوائية لا توصل الى أي نتيجة وتستبدل المطلوب منها بتحاليل سياسية فيما السلطة غارقة في لعبة مصالح شخصية فئوية”، مذكّراً بوجود ثغرات أمنية بأحجام كبيرة في مناطق عدة من لبنان، سائلاً “عن جدوى الضغط على فريق سياسي وقهره لمصلحة فريق آخر”.

يومها كان في أوساط المسيحيين خوف كبير من المتفجرات وكانت شائعات تتردد عن تفجيرات قد تحصل في المناطق الشرقية، يطلقها عملاء الوصاية السورية من أجل إشعار المسيحيين بالحاجة إليهم كبديل ومن هنا كان الرفض المسيحي لـ”الأمن الذاتي” بعد انفجار سيدة النجاة فهو ليس الحل، ولأن الوعي كان موجوداً، بأن مثل هذه الدعوة ستعيد الحرب الأهلية، وهو ما أدى الى وضع خطة سورية للعمل على “القوات” لاحقاً واتهام جعجع زوراً بالسعي الى “الأمن الذاتي”، وبعد ذلك إجراء محاكمات ماراتونية له ولرفاقه وليخرجوا في العام 2005 أبرياء من التهمة التي وجهت إليهم.

وهنا لا بد من الإشارة الى الاجتماع المسيحي الواسع الذي تم في دير سيدة اللويزة بعيد وقوع الجريمة حيث صدر بيان أكد أن “هذه الجريمة لن تثني الموارنة والمسيحيين واللبنانيين عن الإيمان بوحدة لبنان والعيش المشترك بين بنيه”.

وكان لموقف البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير آنذاك خلال كلمته التأبينية بشهداء الكنيسة صدى واسعاً إذ أكد أنه “آن الأوان لإصلاح الخطأ وتصحيح المعادلة بحيث يطمئن كل ذي حق الى حقه ويأخذ العدل مجراه الطبيعي في دولة قادرة تحمي، ولا نعني دولة تكثر من الأجهزة الأمنية ولا توطد الأمن وتلاحق فريقاً من أبنائها وتغمض العين عن فريق وترهق أناساً منهم وتعفي عن أناس وتقتص من فئة من المواطنين لتغطي على تجاوزات أخرى”.

لقد احتضن البطريرك صفير قضية جعجع ورفاقه وربما لولاه لكان مصيرهم “محتوماً”، فموقف البطريرك حمى قائد “القوات” ولم يحمه قيام المسيحيين بأمن ذاتي لحفظ مناطقهم من المداهمات والاعتقالات والاضطهاد.

هناك من يقول إن الرئيس السوري السابق حافظ الأسد “ركّب” طبخة نظامه على أساس عصبية طائفية مع رشة “أيديولوجيا” أبقته حوالى ثلاثين سنة في الحكم الذي أورثه لابنه، وهو عندما فشل في استخدام عصبية مسيحية مرتبطة به، إذ أن المسيحيين كانوا ينظرون للحضور السوري كأداة ضد الفلسطينيين والحركة الوطنية ليس أكثر، لذلك لجأ الى الطائفة الشيعية، التي وجد فيها عصبية تمكنه من الحكم، مع مد اليد الى الطوائف الأخرى، واستخدام تكسير عظام ويدين الممانعين، وهذا ما دفعهم مثلاً الى اغتيال المفتي حسن خالد وإلى استدراج الجماعات المتطرفة في طرابلس لضرب القوى الأخرى المختلفة ومحاولاً إظهار نفسه أمام الغرب بأنه يحارب التطرف.

لقد حاول السوريون بناء عصبية في الأوساط الشيعية على عكس ما كان ينادي به الإمام موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي أكد أن مصلحة الطائفة الشيعية هي في وجودها في لبنان وليس خارجه. وعملوا من خلال اصطدام “أمل” و”حزب الله” في حرب إقليم التفاح من أجل تنفيذ مشروعهم، في صراع سوري إيراني على هذه الطائفة قبل التوصل الى صيغة تفاهم بينهما، أدت الى تصاعد نجم “حزب الله” وهو مكوّن من حزب الدعوة العراقي الذي وجد أساساً لمحاربة الشيوعيين، وهذا ربما ما يفسّر استشراس الحزب في القضاء على “جبهة المقاومة الوطنية” من أجل إيجاد بيئة منسجمة بالكامل مع مشروعه الذي ارتدى رداء قتال إسرائيل ليتبيّن بعد ذلك أنه مشروع لولاية الفقيه الإيراني.

ولا شك في أن مشروع “الأمن الذاتي” الذي يقيمه “حزب الله” الآن طريقه مقفل، فهو يكرر تجارب فاشلة، منها تجربة المقاومة الفلسطينية في كانتون “الفاكهاني” ما قبل 1982 ومنها تجارب الإدارة المدنية في الجبل والقوات والكتائب في المناطق الشرقية، إذ كانت هذه التجارب أعجز عن حل المشكلات الأمنية ولم تستطع حماية المناطق من السيارات المفخخة أو من الحوادث المؤلمة، فالأمن الذاتي قاصر وعاجز وهو يزيد من الحساسيات والمشكلات في البيئة الداخلية ومع المحيط، وهذا ما بدأ يظهر، وإن كان من درس لا بد من استخلاصه من قبل “حزب الله” فهو عدم الدخول في تجربة قام الآخرون بفعلها وفشلوا والمثل يقول “من جرّب المجرّب… كان عقله مخرباً”.

المصدر:
المستقبل

2 responses to “اتّهَموا جعجع بـ”الأمن الذاتي”.. وطبَّقوه”

  1. اصبحوا في مزابل التاريخ ولكن التاريخ لن يرحمهم حتى في مزابله لن يكن لهم مكان انهم قمامة يوم اصبحت القمامة تتولى مراكز ومواقع ونحنا رهاننا الدائم على مؤساستنا الشرعية وقوانا الشرعية ولو لم نؤمن بهذا ما كان سلاحنا سلم اليها في ظروف سوداء

  2. نحن لن نلجا الى هذه السخافات لاننا همنا اولا واخيرا دولة قادرة

خبر عاجل