#adsense

… وكتبت مي ذاكرتها (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

“ثماني سنوات مرّت حاولت أن انسى لكني فشلت، آلامي تحيي ذكرياتي وتحرق أحلامي في نار ذاك الاحد 25 ايلول”… كتبت فيما كتبته مي شدياق على صفحتها عبر الفايسبوك. نشرت صورة لها بكامل أناقتها وماكياجها مع ابتسامة عريضة، وكتبت أوجاعها بدموع سميكة “تشبه أمطار أيلول التي تنبيء بقدوم الخريف”.

اذن لم تنس السيدة يومها. كان يومها بامتياز. انتهت من حلقتها التلفزيونية، أدارت محرّكها، قصدت مار شربل في عنايا، عادت، ركنت سيارتها، ثم عادت اليها ودوت بها اعجوبة النجاة.

نحن نرى ونقول انها نجت، هي تكتب عكس ما نراه ونقول. نحن نصدّق ما تنقله الصورة من اناقة الحياة وأضواء الابتسامات الموزّعة بالمجان على هناك وهنالك، ولا نرى، أو لا نريد، أن نتعمّق في التفاصيل، نهرب منها ونغرق عمداً في سطحية المشهد كي لا نزعل أو نخاف أو نتردد، فنبتسم للابتسامات الفارغة المضمون ونعرف ان خلفها نحن، بكل بساطة نحن وكل الشجن، لذلك نهرب…

يد مي المبتورة، هي يدنا أو ربما كانت لتكون من يعرف، رجلها المبتورة هي الشلل المتحكّم فينا حين نعلن عجزنا عن المواجهة. نحن بلا قدم نعرج، يدنا صفراء بلا لون لانها اصطناعية بلا دماء حيّة تذكّيها حين نتنكّر لمناضلينا وشهدائنا، حين نضعف، حين تلفحنا رياح الانهزام والاستسلام.

لماذا خسرت مي بعضا من جسمها؟ سؤال. لاي قضية ومن أجل من؟ استفهام. لماذا بقيت على قيد النضال ولم تصبح شهيدة؟ تعجّب. لماذا مي تحديدا؟ سؤال الاسئلة…

العام الماضي في ذكرى الانفجار، وصفت كيف تجلس مي في منزلها من دون أن تلصق بجسمها الاطراف الاصطناعية الهجينة. وصفت آثار الجرح فوق الزند بقليل وتحت الركبة بقليل، والوجه المرتاح من دون مساحيق. مي الحقيقية. لا انسى المشهد لفرط ما هو حقيقي وجميل! مع علامة تعجّب لمن لم يفهم المقصود من كلمة “جميل”. في داخلي يومذاك حاولت أن أهرّب نظراتي، ولما خرجت من عندها شعرت اني سخيفة لان ما رأيته جميل، أكرر. رأيت فيها الكثير من نحن، نحن “القوات اللبنانية” وشبابها ورجالها وشهدائها وطريقها الصعب المضني الى حدّ الارهاق والتراجع والضجر والانهزام، لكن لم نصل يوما، لحظة، الى الاستسلام، ومن فعل منا هذا ليس في أعماقه “قوات” ولا هو مؤمن أساسا.

اكتشفت فيما بعد اني رأيت في ذاك الجرح، حكاية نساء في امراة. لسن أي نساء، هن اولئك اللواتي لا يخفن المواجهة، يلبسن الثوب القصير الانيق ومن تحته بدلة رجل بقلبه القوي المقدام. رأيت فيها وجوه امهات الشهداء، وامهات كل الرفاق ورفيقاتي بالامس وغداً والآن، في تلك القضية التي تأخذ منا كل شيء وننتظر منها شيئاً واحداً، أن تتحقق، الوفاء، وهذا ما تستحقه مي ونستحقه نحن.

كبرياء “القوات اللبنانية” ان بقدر ما لديها من المناضلين، لها أكثر الاكثر من المناضلات. تصوروا الجرح المختوم المكوّم لحما في جسد مي، الى أين يوصل وجدان انسان حسبه انه يراقب ثم يكتب بنبض القلب ما يشعر ويرى. الان اجيب عن سؤال فوق، عرفت الآن لماذا مي استهدفت ولماذا نجت.

يكره الاشرار الشجعان، كانت مفرطة في الشجاعة، يهرب الاشرار من الحقيقة، كانت بالغة الشفافية، يقتل الاشرار من يمثل قيم النبل والالتزام، مي كشفت عوراتهم الاخلاقية… لم يختاروا من عبث هدفهم لكن نجاتها كانت رسالة المسيح لهم ولنا. لهم ليقول ان لا تسقط شعرة من رؤوسكم الا باذن مني انا ملك الحياة وقيامة الاموات، ولنا ليحذّرنا كي لا نرخي شجاعتنا ونتحلى بقوة لبنان لنحمل اشلاءنا وجروحنا ونمضي في الطريق…

مي تبكي تتألم تثور تنجرح تترنح تتهالك فوق الجسد الناقص، لا تشعر بالقدم واليد المبتورتين، تظن نفسها أحيانا أنها أشلاء تتكلم، انها كما يقول بعضهم شهيدة حية، وهي ليست كل ذلك هي بعض منه، هي كما الصورة الانيقة المبتسمة التي تظهّرها، ومجموع كل تلك المشاعر المتناقضة المجنونة، البسمة والدمعة هما مزيج المقاوِمة المؤمنة التي حماها مار شربل وأخجلت بنجاحاتها المتخاذلين في انسانيتهم ونضالهم، ولكنها ما زالت تستفز القتلة الذي قتلوا يوم جعلوا الحياة تدوّي فيها من جديد، حملت الوجع وابتسمت ومضت، وذهبوا هم الى موتهم صاغرين…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

4 responses to “… وكتبت مي ذاكرتها (بقلم فيرا بو منصف)”

  1. سلام عليكِ أيتها المناضلة الحرة مي ،يا من كنت ِ خير قدوة لنا، ولكل من ينشد الحرية والحياة. أنتِ الحيّة في زمنٍ كثُر فيه الأموات.

  2. God bless u May, u represent me..and i feel proud of u ,and we want u to keep ahead..because what we really need two things ur head and ur heart..and some day God will reward u my dear keep smiling

خبر عاجل