#adsense

إنحطاط السياسة أمام الرئاسة

حجم الخط

كان كبار لبنان، منذ القرن التاسع عشر على الأقلّ، يشاركون في كتابة التاريخ الكبير لوطنهم والمنطقة العربيّة، فبات صغاره اليوم غائصين في وحول “التاريخ الصغير” بما يعنيه التعبير بالفرنسيّة من حوادث (La petite histoire) فرعيّة  بسيطة ومناوشات أو نوادر محليّة.

بعض الساسة الطامحين إلى كرسي الرئاسة الأولى، لا يشعرون كيف تميد أرض الشرق الأوسط، وكيف تصنع التطوّرات فيها تاريخها الجديد، وتحدّد مصائر الدول والشعوب، وبينها لبنان.

غارقون في يوميّاتهم ومناكداتهم الصغيرة ، فلا ينظرون إلى أبعد من مَسندَيْ الكرسي التي يتوقون إليها. تجلد نفسك كي تستمع إلى خطبهم على منابرهم وأحاديثهم المتلفزة، لعلّك تحظى بفكرة، بلمحة، بلمعة، بنظرة، برؤية.. فتصدمك نرجسيّة معيبة وضحالة مخجلة وضآلة في المعرفة والفكر.

نموذج من هؤلاء الطامحين المزمنين حار ودار على نفسه في حديث تلفزيوني، وتشاطر على محاوره بجواب مضحك: لا أرشّح نفسي، وإذا انتخبوني فليكن!

أمّا أعظم إبداعات برنامجه الداخلي ” الرئاسي”، فهو تحريم رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة المكلّف من تسمية حقائب الوزراء، فهو وحده يحتفظ بتسميتها وتسميتهم!

إذاً، يبدأ برنامجه بنسف سافر للدستور. لكنّه لم يقل إذا كان يقبل، في حال انتخابه رئيساً، بالتحريم الذي يضعه  الآن على الرئيس.

وتبلغ الضحالة ذروتها، حين يأخذه الحديث إلى السياسة الخارجيّة، فلا يستطيع الذهاب أبعد، ولو بخطوة واحدة، من السياسة التي رسمها حليفه وفرضها بالسلاح، فقال إنّه لا يعارض تدخّل “حزب الله” في سوريّا ” طالما لم يوجد حلّ”!

أيّ حلّ لورطة “حزب الله” في سوريّا؟ المرشّح يبرّر التورّط ويطالب بحلّ للمتورّط ومكافأة، تماماً مثل ذاك الذي سطا على مال جاره وطالبه بالفائدة!

إنهما عيّنتان من “سياسة وبرنامج” مرشّح للمنصب الأوّل في الجمهوريّة اللبنانيّة السعيدة، ووراءهما عيّنات لا تقلّ عيوباً سياسيّة ودستوريّة وأخلاقيّة . فلنتصوّر للحظة كيف ستكون حال هذه الجمهوريّة المسكينة، أو ما تبقّى منها بفعل تفريغها من المعنى والمبنى، إذا تحكّمت غفلات الزمن بمصير لبنان!

إذا كان أحد أبرز الطامحين للرئاسة يتعاطى مع مفهوم الدولة والسيادة والدستور والرئاسة بهذه الخفّة، بل بهذا النزق، فماذا يبقى من السياسة، بمعناها السامي والنبيل في لبنان؟

بل المخجل أكثر أن يقول متزلِّف، غداة ذاك الحديث التلفزيوني: “هذا كلام رجل دولة.. أهل للرئاسة”! فبئس دولة هذا هو “رجلها”،  وبئس رئاسة هؤلاء هم “أهلها”. رحمكم الله يا منائر لبنان.

هذا لا يعني تعميم الرداءة على جميع المرشّحين الآخرين، بل هناك شخصيّات تحمل الكثير من إرث كبار لبنان، ولم تهبط في زمن الهبوط، ولم يسفّ خطابها في زمن الإسفاف.

لكنّ المشكلة تكمن في الصراع بين الشعبويّة والنخبويّة، فتكاد الأولى تحجب الثانية وتبتلعها. والسبب هو الخداع الشعبوي الذي يحكّ على غرائز البسطاء والأبرياء من الناس، فيميلون إلى من يخاطب غرائزهم لا عقولهم.

 وهذا الوباء السياسي طارىء على لبنان، لا يتعدّى عمره ربع قرن، والشفاء منه ليس بعيداً أو مستحيلاً.

الحالات الشعبويّة لا تدوم في تاريخ الأمم، وسرعان ما تسقط أمام الحقائق. لكنّ أثمان سقوطها كبيرة، وتترك ندوباً تتطلّب جيلاً كي تندمل ( ألمانيا النازيّة مثالاً ). ونحن في لبنان، في نهاية الشعبويّات الآن بوجهيها “الممانع والإصلاحي”، وهي تخوض جولتها الأخيرة تحت عناوين فقدت بريقها وخفّ سحرها الخادع .

ما يعني اللبنانيّين أبعد بكثير من تهافت على حكومة هنا ورئاسة هناك. يعنيهم إرساء مفاهيم الدولة والسيادة والسياسة والمؤسسات ووضعها في نصابها، والربط مع تقاليد كبارهم في التاريخ السياسي، والنسج على منوالهم.

الرئاسة ليست خاتمة السياسة ومنتهاها، بل بدايتها واختبارها.

والكرسي الأولى هي منصّة لبنان للإطلال على تحوّلات المنطقة وتفاعلات العالم، والانخراط في التغيير الكبير، وليست غاية في ذاتها.

هكذا كانت في عيون كبارنا، وهكذا يجب أن تبقى. وما زال هناك من يحمل رسالتها، ويدرك معناها.

ولو مسّها شيءٌ من الخلل والزلل، بفعل انحطاط بعض الحالمين بها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

One response to “إنحطاط السياسة أمام الرئاسة”

  1. إذا أردنا أن نفهم عون بشخصيته ” الفذّة ” وبحضوره ” الراقي ” ، فما علينا إلا أن نعود إلى المراجع المناسبة في بحثنا عن ” ماهية ” هذا ” المخلوق الإستثنائي ” . هل تفيدنا كتب الفلسفة والأخلاق والمعرفة الخالصة والعملية في هذا المجال ؟ أم أنً لزاماً علينا ولوج محاضر الماضي في كتب التاريخ وأسرار تكوين الدول وتقويضها في كتب السياسة ؟ أو ربما الأجدى أن نذهب مباشرة إلى أحد المواقع التي تعرّف ” بعمالقة الزمن البائس ” عبر الإنترنت .. لكن عوائق عدة تعترض بحثنا في كلّ من هذه الميادين ، أهمها أن من نحاول فهمه وتحديد هويته لا علاقة له لا من قريب ولا من الأبعد بأيّ من أسس الوجود الحر أو مصادقة الحكمة أو الإلتزام بالأخلاق المثالية أو التسلّح بالمعرفة النقدية الهادفة ! هو لا علاقة له في التاريخ إلا بوصمه بعار حروبه الهزيلة ، ولا علاقة له في السياسة إلا بضرب أسسها خدمة لمآربه ، ولا علاقة له بالتقدم التكنولوجي إلا حيث تحاول بعض الأقلام السوداء المؤتمرة بأمره تبييض الصفحات الرثّة لإنجازاته الكبرى!! كلّ ذلك للأسف لا يفيدنا لا في استنباط حقيقته ولا في استقرائها ، ويبقى المجال الوحيد والأكيد لتحقيق هدفنا هو الركون إلى علم التحليل النفسي الذي لا بدّ أن يمنحنا الأجوبة الشافية الكافية ، لأنّ عون المدجّج بعقد الرئاسة وهوس السلطة وجنون العظمة المفرط لا يمكن فهمه إلا على هذا المستوى ، وتحليل نفسيته الخارقة أمر بغاية السهولة لأنّ من عينيه ومحياه وحركات رأسه ونبرة صوته ، تتدفق على كلّ من يراه ويسمعه إنفعالات الحقد والغيرة والسادية المعممة بنقمة الأنا !! .. أن نفهم عون أمر مقدور عليه .. أن نتحمّل عون أمر مقدّر لنا جميعاً ، وبين القدرة والقدر مسافة للتأمل الجدّي في ملكتيّ إدراكنا واحتمالنا في حضرة ” أبطال ” صنعتهم الصدفة المقرّرة !!!!!

    حذف

خبر عاجل