لم يكن خافياً على أحد أنّ أحداث السابع من أيار 2008 رَتّبت “اتفاق الدوحة” الذي أفضى إلى انتخاب الرئيس العماد ميشال سليمان، وإقرار قانون الإنتخاب الحالي، ووَقف الأعمال الحربية التي شَنّها “حزب الله” مع بعض حلفائه على تيار “المستقبل” والحزب التقدمي الاشتراكي في بيروت والجبل.
ومنذ انطلاق عهد الرئيس سليمان راح “حزب الله” يفرض “الثلث المعطّل” في حكومات هذا العهد، ففَعلها مع حكومة الرئيس سعد الحريري وحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وها هو اليوم يطالب بهذا الثلث جهاراً، وإذا فعلها فسيكون قد كرّس “المثالثة” بطريقة غير مباشرة التي لطالما أثيرت، سواء في مؤتمر “سان كلو” أو في الاتصالات السعودية ـ الإيرانية، وكانت تُنفى من هنا وهناك.
هكذا تكون جمهورية “الطائف” قد انطلقت في ظلّ الوصاية السورية حتى العام 2005، وجاء “التعطيل” أو “الفيتو” الحكومي الذي يفرضه “حزب الله”، ما يشكّل واقعاً غريباً عن الدستور وبعيداً من الميثاق إسمه “المثالثة” التي تُعطي مجموعة طائفية حق “الفيتو” داخل مجلس الوزراء، فتشلّ البلاد وتُعطّل آلية الحُكم وتُبقي الشعب رهينة خيارات هذه المجموعة في الحرب والسلم والإستراتيجية الدفاعية والقدرة على أسر الإقتصاد وإبعاد لبنان عن العالم العربي. لبنان الذي كان دائماً متصالحاً مع محيطه العربي، لبنان الذي بات اليوم لا يجد سائحاً عربياً على أرضه وباتت قراراته في جامعة الدول العربية غريبة عنه وعنها. وقد فُرِضَ على لبنان أن يكون شاهد زور أمام وحدة الخيارات العربية التي تشوبها أحياناً بعض المطبّات التي لم يكن لبنان أبداً مُسبّباً لها أو أحد الخارجين عن هذه الوحدة.
هكذا، ولأن الممارسة أفضَت إلى القول إن لا إمكانية للسير في عجلة الحكم إلا برضى “حزب الله” الذي يأسر طائفته ويأسر لبنان معه، لبنان الذي فاق عمره ستة آلاف سنة في مقابل مشروع الحزب الممتَد منذ العام 1982 والمرتبط بطهران، والذي يريد تغيير وجه لبنان الدولة ليصبح ولاية منبوذة عربياً ومرفوضة في قاموس الدوَل.
وبعدما تُرجم الإتفاق الروسي ـ الأميركي بقرار صدر عن مجلس الأمن في 28 ايلول المنصرم حمل الرقم 2118، وقضى بإجماع دوَل مجلس الأمن بوجوب نزع السلاح الكيماوي من النظام السوري في مهلة لا تتعدّى السنة، هذا السلاح الذي لطالما جعل من سوريا محوراً رئيسياً في النزاع العربي ـ الإسرائيلي، تبيّن أنه بمجرد إطلاق إسرائيل صاروخاً باليستياً واحداً بَقيَ مجهولاً لدى الرادارات الإيرانية قبل السورية، تمّ التخَلّي عن الكيماوي، وها هي إيران تتواصل مع الولايات المتحدة الأميركية (الشيطان الأكبر بالنسبة اليها) بعد عداء استمرّ منذ العام 1979 إثر احتجاز طاقم السفارة الأميركية في طهران، ليسقط شعار العداء لأميركا وربما تسقط قريباً شعارات أخرى.
ولئلا نبقى متفرّجين على ما يدور هنا وهناك من تحوّلات يسمّيها البعض انتصارات، والبعض الآخر يسخر منها في اعتبارها زحفاً على البطون من شأنه أن يمنع السقوط مقابل تقبيل الأيدي، ينبغي على رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف تمام سلام، وانطلاقاً من صلاحياتهما الدستورية واستناداً الى أحكام المادتين (53 ف 4 و64 ف 2) من الدستور، والآن قبل الغد، أن يؤلّفا حكومة، فيُصدر الرئيس مرسوم استقالة حكومة ميقاتي، على أن يكون شَكْل هذه الحكومة حيادية بالدرجة الأولى، لأن أيّ حكومة أخرى لن تكون قابلة للحياة ولا مُنتجة. وإذا استحال هذا الأمر، يمكن تأليف حكومة لا يملك طرف فيها قدرة على التعطيل لتتسَلّم هي زمام الحكم في حال حصول الفراغ الرئاسي الذي ترتفع أسهمه بقوّة.
أما إذا أراد “حزب الله” ممارسة “الذراع الحديدية” مع هذا الخيار، واتخذ قراراً بـ”احتلال” الوزارات التي يشغلها وزراؤه ووزراء حلفائه، فيصبح شاغلاً لها من دون أيّ مسوّغ قانوني أو دستوري لأن حكومة ميقاتي ستصبح حينها مستقيلة وغير موجودة دستوراً وقانوناً بعد تأليف حكومة سلام، التي، وإن لم تَنل الثقة في مجلس النواب المعرّض بدوره للتعطيل منعاً لمَنحها الثقة ومنعاً لتمكينها من عَرض بيانها الوزاري، فإننا سنكون أمام حكومة قائمة بالمعنى الدستوري، ولكنها غير قادرة على ممارسة صلاحياتها استناداً الى أحكام الفقرة الثانية من المادة /64/ من الدستور. لكنّ هذه الحكومة تكون على مسافة واحدة من كل القوى السياسية، ولا تضع نقاط القوة فيها (وزارة الخارجية ووزارة الدفاع) في سلة “حزب الله”. ولأنّ معظم الشعب اللبناني ينتظر فسحة الأمل، يبقى على رئيس الجمهورية والرئيس المكلف أن يقوما بدورهما ويمارسا حقهما وينقذا البلاد من الأجل المحتوم والموت البطيء. 
Super excellent
Super
Excellent