حزبا القوات اللبنانية والمردة نموذج مُتقدم لتعزيز ثقافة الحوار

لا جديد ولا مبالغة في القول إذا قلنا إن الوضع ثقيل ومأزوم في لبنان والمنطقة ، وإن الصورة قاتمة ومشوشة ، وإن اللبنانيين لم يسبق أن خبروا وضعاً كهذا حتى في عز أيام الحرب . فدورة الحياة الطبيعية في الدولة والمؤسسات وفي السياسة والاقتصاد معطلة وشبه متوقفة والفراغ يملأ الوقت الضائع ، والتمديد أصبح القاعدة وسيد الموقف ، والرئيس المكلف تمام سلام مصاب بإحباط شديد بعدما أوصلوه إلى طريق مسدود ، والرئيس نبيه بري يبحث عن طريق لإعادة الحياة والدور إلى مجلس النواب ، والرئيس ميشال سليمان يفعل ما في وسعه لتفادي الوصول إلى فراغ رئاسي ينقل الازمة من أزمة حكومة إلى أزمة حكم ونظام … والهيئات الاقتصادية لا تملك إلا لغة التحذير والتنبيه من وصول الوضع إلى الخط الأحمر وعدم القدرة على تحمل المزيد من التعطيل والفراغ . والمفارقة هنا وهذا المؤسف أن الهيئات الاقتصادية وأرباب العمل أخذوا دور ومكان الاتحادات النقابية والعمالية في التحرك والتصعيد والتلويح باعتصامات وإضرابات . وهذا دليل إلى عمق الازمة الراهنة وطبيعتها الاستثنائية التي لم نألفها ولم نعهدها في أي وقت مضى .

رغم هذه الصورة المضطربة الحالكة السواد ، لا يخلو الأمر من علامات وإشارات إيجابية تخرق هذا الواقع وتكسر حدته وتبعث على التفاؤل بأن هناك وعياً متزايداً لخطورة الوضع وضرورة التصدي لهذا الواقع بوسائل ومناخات جديدة ، وأن هذا الوعي بدأنا نراه عند بعض هذه الطبقة السياسية وعند بعض هذه الاحزاب ، التي بدأت تشعر بوجود أزمة وهم يستشعرون ثقلها ويدركون مسؤوليتهم ازاءها .

ما لفتني في الآونة الاخيرة المبادرات التي اطلقها بعض أركان الحكم وعلى رأسهم الرئيس ميشال سليمان الذي قاد تحركاً دبلوماسياً في المجتمع الدولي أثمر دعماً سياسياً و”مالياً” للبنان ، والرئيس نبيه بري الذي تقدم بمبادرة حوارية أراد من خلالها كسر المأزق وإحداث اختراق في الازمة المتشعبة . ولكن ما استوقفني بشكل خاص تطوران سياسيان محليان يمكن ان يمر عليهما الكثيرون مرور الكرام ولكنهما بالنسبة لي ولكثير من اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً يحملان الكثير من المعاني والدلالات ويمثل كل واحد منهما حدثاً سياسياً إيجابياً ومشجعاً :

الأول يتعلق بالحوار المنهجي الذي انطلق بين التيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي عبر لجنة مشتركة عهد إليها أمر التنسيق الثنائي على المستويين السياسي والمناطقي وتحديداً في جبل لبنان الذي ضُرِبَ واقع العيش المشترك على أرضه في حقبة الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي . وأهمية هذا الحوار أنه ليس حواراً فوقياً ونظرياً ومن باب الترف السياسي وإنما هو حوار عملي يبدأ من أسفل إلى أعلى وعلى مستوى القواعد والارض ، وأنه حوار يخدم قضية الجبل والتعايش الدرزي- المسيحي ويصب في تكريس المصالحة التاريخية التي قادها البطريرك الماروني السابق الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير والنائب وليد جنبلاط في المختارة …

لكن أكثر ما لفتني في هذا الحوار أنه تجاوز حساسيات وخلافات الماضي التي كثيراً ما كانت تتطور إلى مناكفات واشتباكات كلامية حادة ، وان هذا الحوار لا يجري في ظل مناخات وغايات انتخابية وإنما في ظل ازمة وطنية وإقليمية ضاغطة أوجدت مساحة مشتركة من الاخطار والمصالح والاهداف …

الأمر الثاني يتعلق بالحوار بين تيار المردة وحزب القوات اللبنانية وهو الحدث الأهم والأبرز خصوصاً أنه يأتي ضمن البيت المسيحي الواحد . هذا الحوار الذي يجري بعيداً عن الضوضاء والذي حرص الطرفان على إبعاده عن الاضواء وكل اشكال الاستعراض السياسي والإعلامي وعلى إضفاء جدية عليه ، وفي انهما نجحا في اتخاذ قرار سياسي شجاع وسلوك طريق التفاهم والحوار متجاوزين عملياً أحداث الماضي ، وساعين معاً إلى طي صفحة الماضي الأليم الذي ولى إلى غير  رجعة . هذا الحوار يدعو إلى التفاؤل لأنه يجري بين حزبين مسيحيين باعدت بينهما الصدامات والمآسي ونالت منهما مؤامرة تفتيت وشرذمة الجسم المسيحي ، وارتفع بينهما جدار عالٍ من الاحقاد والضغائن . فإذا كان “المردة والقوات ” نجحا في سلوك طريق المصالحة والحوار وهذا ما يتمناه كل مسيحي مخلص وشريف ، فإن لا شيء يمنع من تعميم هذه الحالة على كل الساحة المسيحية ولا يعود صعباً ومتعذراً التلاقي والتوافق بين طرفين أو أكثر مهما عظمت خلافاتهما السياسية…

هذا حوار يدعو إلى التفاؤل لأنه مؤشر إلى حالة جديدة من النضج والوعي السياسي. النضج الذي يجعل العلاقات السياسية ترتقي إلى مستوى حضاري يليق بأبناء هذه الارض وتاريخها . والوعي الذي يجعل الاحزاب والقيادات على بيّنة من الخطر المشترك الذي يحدق بلبنان ومسيحييه ويضع الجميع في مركب واحد .

هذا حوار يدعو إلى التفاؤل والارتياح لأنه يمثل ترجمة عملية لروحية الإرشاد الرسولي واستجابة عملية لمبادرات وجهود البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي له الفضل الاساسي في محاولة إعادة جمع الشمل المسيحي تحت سقف بكركي وفتح الباب واسعاً أمام حوار بين القوى السياسية المارونية ، محاولاً وطالباً نقل الوضع المسيحي من حال صراع مستدام على السلطة والنفوذ ، إلى حال مصالحة وشراكة من أجل قضايا واهداف كبرى .

 وإذا كان الشيء بالشيء يذكر لا بد من القول بأنه بالرغم من ان اجتماعات بكركي التي جمعت قادة الاحزاب المسيحية لم توصل إلى النتيجة  المرجوة على صعيد قانون الانتخابات والوصول إلى قانون جديد أكثر تمثيلاً وإنصافاً وتوازناً ، لكن هذه الاجتماعات اطلقت روحية جديدة ومناخاً جديداً على الساحة المسيحية بدأت نتائجه وثماره تظهر تباعا.ً ويقيننا ان الحوار الناشىء بين القوات والمردة ، وحتى لو كان حتى الساعة لا يزال محدوداً ومتواضعاً في اهدافه وجدول اعماله لكنه من دون أدنى شك ، هو ثمرة من ثمار هذه الروحية الجديدة التي زرع بذورها البطريرك الراعي مثل حبة حنطة في التراب ولا بد أن تؤتي بثمار كثيرة ولو بعد حين …

ما بدأ بين المردة والقوات يجب ان يستمر ويُكمِل كنموذج متقدم يعزز ثقافة الحوار على قاعدة الحق في الاختلاف والتنوّع . فالخلاف السياسي مهماً اشتد واستفحل لا يجب ان يفسد في الود قضية ، والخلافات مهما تنوّعت أسبابها وأشكالها لا يجب ان تخرج عن إطارها السياسي ، كما لا يجب ان تتقدم الاعتبارات والمصالح الشخصية والحسابات الضيقة على المصلحة العامة والعليا التي تبقى فوق كل اعتبار .

وما يجري بين القوات والمردة كنا نتمنى ان يحصل منذ زمن بعيد لأنه يزيل الحقد والضغينة بين شريحة مسيحية لا يستهان بها وهو لا يجب ان يقلق احداً خصوصاً بعض الاقلام المأجورة والحاقدة التي لا تريد الخير لأحد والتي تعتاش على خلافات الناس فيما بينها كما ان ذلك لا يجب ان يدفع احداً إلى الاستنفار ضده ، لا بل يجب ان يلقى كل تشجيع وثناء ودعم . فليس كلما التقى اثنان ، يشعر طرف ثالث انه مستفز ومستهدف ومتضرر . نحن احوج ما نكون هذه الايام إلى حوارات ثنائية وثلاثية ، وإلى مصالحات فعلية وإلى توحيد الجهود والطاقات لمواجهة أزمات وجودية وكيانية ، ولتحسين الموقع المسيحي في المعادلة اللبنانية الداخلية .

فإذا التقى سليمان فرنجية وسمير جعجع ، هذا لا يعني أنه لقاء موجه ضد ميشال عون أو ” لزكزكة ” هذا أو ذاك في منطقة زغرتا والشمال ، وإنما هذا يعني بالمفهوم الإيجابي طبعاً ان حلقة مفقودة في السلسلة المسيحية قد وُجدت وان بارقة أمل جديدة قد لاحت من الشمال بين مرجعين مسيحيين هما: سليمان فرنجية سليل البيت السياسي العريق الذي تربّى على مبادىء الشهامة والكرم والفروسية وعرف كيف يوفق بين مصالحه ومصالح طائفته وكيف يوظف علاقاته السياسية في خدمة المسيحيين ودورهم ووجودهم … وسمير جعجع ابن بشري هذا المناضل الثابت على التزامه قضية الوجود المسيحي الحر والمنسجم مع نفسه وقناعاته ، والذي لم يضعفه ظلم واضطهاد وسجن سنوات ولم ينل من عزيمته ترغيب وإغراءات او ترهيب وتهديدات …

فرنجية وجعجع مختلفان في السياسة اختلافاً جذرياً ولكن هذا لا يمنع ان يلتقيا ويتحاورا وينسقا كلما دعت حاجة المنطقة والجماعة ولبنان ، وسياسة الفصل وعدم الخلط بين العام والخاص بين الموقف السياسي والعلاقة الشخصية هي السياسة التي يجب ان تُعتمد وتعمّم بين كافة القوى والاحزاب المسيحية. وفي ذلك تعبير عن أعلى درجات النضج والرقي والحكمة والوعي عندما يكون هناك اعتراف بحق الاختلاف في الرأي والتعبير وبوجود الفريق الآخر والرأي الآخر . وعندما لا يكون الاختلاف عائقاً في وحدة موقف وكلمة كلما تعلق الامر بقضايا ومصالح مسيحية عليا … فإذا وضع المسيحيون خلاقاتهم ومشاحناتهم ومناكفاتهم جانباً وعرفوا كيف ينظمون هذه الخلافات وكيف يتفقون في المسائل الاساسية والاستراتيجية ، فإنهم قادرون على إعادة لملمة الوضع المسيحي المبعثر وإثبات الوجود واستعادة الدور والحضور والحد الأدنى من التوازن الوطني … خصوصاً ان هناك اختباراً قريباً ينتظرهم واستحقاقاً دستورياً يعنيهم مباشرة … إنه “اختبار الاستحقاق الرئاسي ” .

وفي الختام أقول لسمير جعجع وسليمان فرنجية بإسم الكثير من المسيحيين واصلا ما بدأتما به، لا تردا على أصوات النشاز والحقد التي يطلقها البعض من هنا وهناك ولا على بعض الاقلام المأجورة التي تريد رمي الزيت فوق النار كلنا معكما ، قلوبنا معكما ، ونصلي من اجلكما .

المصدر:
الديار

One response to “حزبا القوات اللبنانية والمردة نموذج مُتقدم لتعزيز ثقافة الحوار”

خبر عاجل