يوم تكون القوى المؤثرة في الحياة السياسية اللبنانية مرهونة لمصلحة ارتباطات خارجية إقليمية أو دولية، ولأنّ ميزان الخطاب السياسي في لبنان يكون والحال هذه مترنّحاً على هدى التسويات ومتأثراً بالنتائج التي تفضي إليها، تضحي يوميّات السياسة اللبنانية مبتذلة، إذ تعيش فيها طبقة سياسية رهينة التسويات التي قد تفصل في بعض النزاعات العالقة في الشرق الأوسط مع ما قد يناله لبنان من نصيب، فإمّا أن يربح طرف على حساب آخر، وإمّا أن يعطى كل فريق قدرة على الإستمرار في المعادلة السياسية.
كم هي كبيرة قدرة اللبناني والقوى السياسية على الإنتظار، وما أصعب قدرته على التغيير الذاتي، تغيير يصوّب ذهنية من يتعاطى الشأن العام في إطار الإنتماء إلى الدولة لا إلى الأحلاف، إلى ما يبني لبنان الدولة، لا إلى ما يؤدّي إلى هدمها، لبنان الذي تعصف به رواسب سوء تطبيق “إتفاق الطائف” وأزمة إقتصادية دائمة وأزمات حكم متكرّرة ومتجدّدة، واهتراء إداريّ نخرَ عظمه الفساد المترسّخ في ذهنية معظم أبنائه. لبنان الذي بالكاد تتنفّس إدارة الحكم فيه، لبنان المسيّب في حدوده، الذي يستضيف وهو الضعيف (للإقامة شبه الدائمة) ما يفوق نصف عدد سكّانه من اللاجئين، لبنان الذي لا يستطيع أن يستقبل حتى كلّ حاملي جنسيته، فكيف بغيّر اللبنانيين، لبنان الغارق في دولة تنفق ريعيّاً لا إستثمارياً، لبنان الذي هجره الفرح، وسكنه الموت البطيء والإغتيال والتفجير والسلاح، وتنهشه القوى القادرة على خلق جوّ من التسيّب الأمني والخطف وابتكار المحاور الأمنية والسياسية.
قدَر هذا الوطن أن يتلقّى نتائج التسويات الإيجابية منها والسلبية، وأن يعيش ويموت في آنٍ معاً، وأن يكون جريحاً وطائراً في آنٍ معاً، فلا يكون موجوداً في التسويات بل يشارك في الأزمات الدائرة حوله من دون أن يمتلك القدرة على حلّها أو الخروج منها.
هكذا بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري لم يعد الرئيس بشّار الأسد سياسياً إلى لبنان إلّا بعدما انفتحت فرنسا على سوريا وباركت السعودية هذا الإنفتاح وهلّلت له سوريا النظام التي اعتادت أن تأخذ ولا تعطي، وها هو اليوم الإتفاق الروسي ـ الأميركي في شأن نزع السلاح الكيماوي السوري الذي يبدو أنّه مكّن النظام من تنفّس الصعداء، في مقابل اضطرار الثوّار الى القتال على جبهتين: الأولى للإطاحة بالأسد ونظامه. والثانية لقتال التكفيريّين من “داعشٍ” و”نُصرة”.
هذا ما جعل كثيراً من اللبنانيين يراجعون حساباتهم في مدى تورّطهم في سوريا، بعدما تبيّن أنّ آلية حسم النزاع عسكريّاً تكاد تكون مستبعدة حاليّاً.
أمّا التسوية الإيرانية ـ الأميركية فتبدو أنّها مهّدت الطريق لإمكانية التواصل بين الدولتين، فمن يدري من سيدفع الثمن هنا، هل هم أدوات إيران في المنطقة؟ أم أدوات أخرى؟ وفي الحالتين، وبعد حصول هذه التسويات، هل يبقى لبنان جريحاً أم أسيراً لارتباطات بعض أبنائه؟ والجواب ليس صعباً بعدما اعتدنا على تحمّل النتائج السلبية لقرارات غير لبنانية بدلاً من تحمّل نتائج قرارات الدولة اللبنانية مهما كانت صعبة
الى متى ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وهل من يقرأ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟