فالرجل يتحدّث عن مؤامرة عليه، ثم يحيّد نفسه عن أي مسؤولية في ما جرى… بينما المسؤولية في ذلك التطوّر الخطير تقع كلها على عاتقه.
لقد احتل عون في تلك الحقبة المشؤومة من تاريخ لبنان القصر الرئاسي (رمز الشرعية) ورفض أن يخليه.
وكان الأمر يكون مقبولاً حتى انتخاب رئيس أوّل للجمهورية هو الشهيد المرحوم رينيه معوّض ثم الرئيس الخلف المرحوم الياس الهراوي، عندها تحوّل عون، بالضرورة، من رئيس حكومة «إنتقالية» الى ضابط متمرّد يخطف السلطة بالقوّة.
كان «اتفاق الطائف» قد وضع أساس الحل للأزمة اللبنانية، فوقف ميشال عون حاجزاً ضد هذا الحلّ وأخّره زمناً طويلاً شهد المزيد من الحروب والدمار.
الى أن عقد مجلس الوزراء الشرعي جلسة برئاسة الهراوي وحضور رئيس الحكومة، آنذاك، الدكتور سليم الحص أمدّ الله في عمره… عقد الاجتماع بعدما كانت المحاولات كلها قد استنفدت مع عون ليخلي الساحة، وكان معروضاً عليه أن يكون جزءاً من الحلّ فينضم الى الحكومة… ولكنّه ركب رأسه رافضاً أن يخلي القصر الجمهوري الى الشرعية المنتخبة وفق الأصول القانونية الدستورية.
وعُرض على مجلس الوزراء موضوع إزاحة عون بالقوّة، وحده رئيس الحكومة، الرئيس سليم الحص، عارض استخدام القوّة، إلاّ أنّ الهراوي قال: هذا قرار يتعلق برئاسة الجمهورية، وبالحال المارونية، وبالتالي لا بدّ من إزاحة التمرّد.
وكان ما كان.
وبعد ساعة من بدء الهجوم على القصر وقصفه بالطيران السوري، وبموافقة دولية وعربية شبه إجماعية، هرب عون الى السفارة الفرنسية بثياب النوم تاركاً زوجته وبناته الثلاث تحت رحمة المهاجمين، فتدخّل المرحوم إيلي حبيقة لدى العميد علي ديب لإنقاذهن… وهكذا كان.
والذين استمعوا الى عون يتحدّث، يوم أوّل من أمس السبت، عشيّة الذكرى، فاجأهم كيف يحيّد نفسه عن المسؤولية.
فأين مئات الضباط وصفوف الضباط والرتباء والجنود الذين سقطوا في تلك المعركة التي يتحمّل المسؤولية عنها القائد (أي عون) الذي دعا جيشه من السفارة، وبتسجيل صوتي، الى الإستسلام!
وأين العساكر (ضباطاً وعناصر) الذين أسروا واقتيدوا الى سوريا ولم يُعرف مصيرهم حتى اليوم؟ وقد عجز عون عن الحصول على أي معلومة في شأنهم على الرغم من زيارتين قام بهما الى سوريا حيث استقبله رأس النظام وأركانه بحفاوة!
إنّ عون يزوّر التاريخ ويقلب الوقائع، وإلاّ فمَن هو الذي يتحمّل المسؤولية الواقعية والتاريخية عن ذلك الحدث الكبير؟
إنّ أقل ما يُقال في ميشال عون إنّه كان يجب أن يحاكم ويتلقى حكماً بالإعدام بسبب ارتكاباته إنْ في 13 تشرين أو في المرحلة التي أدّت إليه…
