يشعر زائر بعلبك هذه الأيام بمدى التبدّل الذي طرأ على حال المدينة وأهلها بعد سنين عاشتها وُصفت بزمن العز، وذلك منذ عقدين تقريباً. ويعزو سكان “مدينة الشمس” هذا التبدل إلى الضرر الذي أُلحق بهم جرّاء منع الدولة لهم من زراعة نبتة الحشيشة، وتلف كل المحاصيل، في ظل غياب تأمين بديل زراعي يُمكن أن يعتاش منه أكثر من ثمانين بالمئة من عائلات المنطقة التي يرزح معظمها اليوم تحت خط الفقر بسبب السياسة المجحفة والخاطئة التي فرضتها الدولة ومن خلفها قوى الامر الواقع الممثلة بـ”حزب الله”.
يدخل الزائر “مدينة الشمس” وفي باله صورة قديمة عن منطقة لم تجرؤ الذاكرة على محوها، مساحات شاسعة من الأراضي لا نبات فيها ولا حياة، مدينة نهر العاصي شبه خالية من الحياة. لا ري يروي ظمأ الارض ويُخفف عنها لهيب الحر، مزارعون يسعون إلى لقمة عيش كمن يبحث عن سراب في الصحراء، لا همَّ إن لفحتهم أشعة الشمس ولوّنتهم بلونها، فالمهم هو العودة إلى البيت وفي الزوّادة المُرتجعة زاد يكفي العائلة ولو بكسرة خبز أو “شويّة” بطاطا “خرج السلق”. مشهد الفقر والعوز واحد، رجال ونساء وأطفال في ثيابهم البالية، من سرعين التحتا مروراً بحوش النبي، حوش الرافقة، النبي شيت ودورس وغيرها العديد من القرى وصولاً إلى بوداي وعين بورضاي، جملة واحدة تسمعها “الله يفرجها علينا”.
لا يريد أبناء البقاع وتحديداً بعلبك، العودة إلى زراعة المخدرات بأي شكل من الأشكال، لكن في المقابل هم يطالبون الدولة بأن يسري مفعول قراراتها على الجميع من دون أي تمييز وليس على فئة محددة، في إشارة منهم إلى التعمية التي تمارسها الدولة عن الزراعة المستمرة لنبتة الحشيشة من قبل مسؤولين كبار في “حزب الله” من دون أن يجرؤ أي عنصر أو ضابط على مُساءلتهم، وأكثر منذ ذلك يؤكد الأهالي أن هناك معملين على الأقل في منطقتي بعلبك والهرمل مخصّصين لتصنيع بعض أصناف المخدرات، ومعروفي المكان، ويجري العمل فيهما بشكل منتظم وكأنهما يحوزان على رخصة من الدولة تُجيز لهما ذلك.
“لقد أفقرنا “حزب الله” وأعادنا مئة سنة إلى الوراء”. هي جملة لا تنزل عن لسان كل بقاعي تسأله عن الحالة الاجتماعية التي يمر بها أبناء المدينة، ويعودون بك إلى زمن المؤامرات التي حيكت ضدهم على يد النظام السوري الذي سرقت حكومته مليارات الدولارات كانت دفعتها الولايات المتحدة الاميركية للدولة اللبنانية لإنشاء مشاريع بديلة تعوّض على المزارعين، من ضمنها زراعة بذور دوّار الشمس، وهذه المؤامرات مستمرة اليوم على يد دويلة “حزب الله” التي تحتكر زراعة المخدرات في البقاع لصالح جماعاتها و”على عينك يا دولة” ليتم توزيعها لاحقاً على بلدان أميركا الشمالية، كما يُخصص قسم منها للبيع داخل إسرائيل التي تُعدّ البلد الأكثر استهلاكاً للمواد الخام بحسب البقاعيين.
يسأل أحد أبناء بلدة بريتال من آل المصري، عن المذكرات التي أصدرتها الدولة اللبنانية بحق شقيق نائب في “حزب الله” كان يمتلك معملاً لتصنيع حبوب الكابتاغون وماذا حل بها؟ “هل تعلمون أن هذا الرجل ما زال حراً طليقاً حتّى اليوم رغم أنه متواجد في المنطقة ولا أحد يجرؤ على توقيفه لأنه مُحاط دائماً بأكثر من عشرين عنصراً تابعين لـ”حزب الله”؟ يأسف البقاعيون للسكوت الذي يُبديه الحزب حيال الظلم الذي ألحق بهم، وانطلاقاً من هذا السكوت يؤكد معظمهم أن جميع عمليات الإتلاف التي تعرّضت لها حقولهم كانت تتم بأوامر من الحزب نفسه لأن سياسته خلال الفترة الأخيرة قامت على إفقار اهل المنطقة لكي يبقوا بحاجة اليه خصوصاً بعدما شعر أن مقاومته أصبحت مسألة ثانوية بالنسبة الى البقاعيين, وهذا ما ظهر فعلاً خلال حرب تموز 2006 بعدما تركت معظم عناصر الحزب في البقاع مراكزها وفرّت مع عائلاتها إلى سوريا والأردن.
يشعر البقاعيون بتمييز واضح لجهة طريقة تعاطي “حزب الله” معهم، خلافاً للطريقة التي يتعاطى بها مع بقيّة المناطق التي تسكنها الغالبية الشيعية نفسها، لا سيما منها أهل الجنوب والضاحية, رغم أن البقاع لطالما وصف بخزّان المقاومة ومن على أرضه انطلقت أولى بشائرها، وهو الذي قدّم العديد من الشهداء على أرض الجنوب وفي طليعتهم الامين العام الأول للحزب السيد عباس الموسوي. من هنا يقول أحد القياديين السابقين في الحزب والمؤسسين أيضاً “يبدو أن قيادة الحزب الحالية ما عادت ترى في الفقراء سوى أداة لتحقيق المشاريع، فتارة تستخدمهم كورقة تفاوض في الداخل اللبناني لتحسين الشروط وطوراً ترميهم في سوريا خدمة للنووي الإيراني. لذا, لا بد من توجيه سؤال للمسؤولين والقيادة: إذا كنتم فعلاً تعتقدون أن حربكم في سوريا تقع ضمن نطاق الواجب الديني، فلماذا لا تُرسلون أبناءكم للقتال هناك؟ فبعد مرور سنتين على هذه الحرب لم نسمع بأي قريب لكم سقط في القصير أو حلب”.
“كُن معنا وخذ ما يُدهش العالم”. شعار يرفعه معظم أبناء البقاع كتعبير عن استيائهم لكل ما يحصل على أرضهم عن طريق “حزب الله” وهم يُدركون فعلاً أن أصابع اليد لا تُشبه بعضها بمعنى أن هناك بعض العناصر في الحزب لا ناقة لها ولا جمل في كل ما يحصل، لكن البقاعيين يرون أن هذه الفئة صغيرة جداً مقارنة بالفئة المنتفعة، وما يُدهش العالم برأي الأهالي هو، “البطاقة الحزبية” التي تخوّل حاملها الحصول على مساعدات مادية وتموينية ومعنوية، ويُعامل على أساس أنه ابن “الست” لا ابن “الجارية”, كما تسمح له باقتطاع مساحة لا بأس بها من أراضٍ مشاع للدولة ليبني عليها منزله المستقبلي من دون أن ننسى هدية “القائد” وهي عبارة عن أثاث المنزل.
لا يجد أحد وجهاء آل جعفر حرجاً من التحدث بكل صراحة عن حال بعلبك وأهلها: “نعم هناك حالات شاذّة تحصل في قرانا من خطف وسطو وغيرها من الأمور المرفوضة والمُدانة من مجتمعنا “البعلبكي” لدرجة أننا أصبحنا في نظر اللبنانيين أشبه بمجموعات خارجة على القانون، لكنْ هناك سؤال لا بد من طرحه، وهو: مَن الذي أوصل الأهالي إلى هذه الحالة من الجوع والفقر والعوز؟ أليست الدولة وبتواطؤ من قوى الامر الواقع؟”. سؤال مشروع يستوجب أو يستأهل البحث عن إجابة عنه, لكن البحث لن يطول إذ سُرعان ما ستبرز آلاف الأجوبة في عيون الناس وحركتهم ومن خلال دعواتهم للدولة الى زيارة منطقتهم ولو لـ”شرب فنجان من القهوة”.
يخرج الزائر من “مدينة الشمس” وفي باله ألف سؤال يشغله وفي مقدمتها: أين هم الناس؟ مدينة غارقة في همومها، باعة البطاطا يفترشون جانبي الطرق لبيع ما تيسّر لهم من بضائع مُكدّسة لديهم, وبما أن لـ”حزب الله” قرصاً في كل عرس، يسأل أحد الباعة زميلاً له، لماذا لا يشتري الحزب منّا محصول البطاطا؟ فيجيبه: “الظاهر أن للحزب أولويات في الزراعة”. في طريق العودة كما طريق الدخول إلى بعلبك الحال واحد تلفت الأنظار قلّة الأفران المختصّة بـ”الصفيحة البعلبكية”، فيقولون لك إن بعضها أُغلق وبعضها الآخر انتقل إلى مدينة زحلة بعدما تسبب “الامن الذاتي”، وما نتج عنه من اشتباكات، بإدخال الرعب في نفوس كل من كان يقصد هذه المدينة بهدف التموين أو السياحة، في تلك اللحظات يتبادر إلى الذهن سؤال أخير: ما هي مصلحة “حزب الله” في إفقار مدينة الشمس؟
مدينة الشمس الى الشمس سوف تعود ونقطة على السطر