#adsense

S.M.S بين جنبلاط وفيلتمان

حجم الخط

كتبت رلى موفق في صحيفة “اللواء”:

 ثمة قراءة في المشهد الإقليمي تنطلق من أن هناك تحولاً كبيراً حصل في السياسية الأميركية حيال تحالفاتها في المنطقة، وستترتب عليه نتائج ترسم معالم المرحلة المقبلة، وهي معالم ربما بدأت بالظهور. طبعاً نقطة الارتكاز في هذه القراءة هي التقارب الأميركي – الإيراني الذي أعقب ثلاثين سنة من العداء المُستحكِم بين الطرفين بعد إطاحة الثورة الخمينية بنظام الشاه الحليف لأميركا والغرب. تقارب  جاء في توقيته ليشكل طعنة قوية لحلفاء واشنطن الاستراتيجيين من العرب، وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية، التي تخوض مواجهة  قاسية للحدّ من تمدّد النفوذ الإيراني في المنطقة وأذرعها الأمنية والعسكرية في العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن والبحرين وغيرها من دول الخليج. فإلى أي مدى تبدو هذه القراءة واقعية ونتائجها محققة؟

يروي أحد المنظرين لقوى 8 آذار رواية معبّرة في أبعادها، نقلاً عن النائب وليد جنبلاط. تقول الرواية أن جنبلاط حين شاهد في الصحف صورة صديقه السفير الأميركي السابق جيفري فليتمان إلى جانب مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي أكبر خامنئي لدى زيارة فيلتمان لطهران بوصفه مسؤولاً أممياً بعد انتقاله من الخارجية الأميركية إلى الأمم المتحدة، بادر إلى إرسال رسالة نَصيّة على هاتفه النقال ممازحاً إياه بالقول «وأنا أشاهد صورتك إلى جانب خامنئي، بدا لي وكأني أرى أن نور القداسة يكاد يشعّ من عينيك»، فرد فليتمان عليه: «تصور يا وليد أننا اكتشفنا، بعد ثلاثين سنة من الخلاف مع الإيرانيين، أن الأمر لم يكن أكثر من سوء تفاهم».  رواية حملت في إجابة المسؤول الأميركي «مغزىً سياسياً» لما قد تحمله قابل الأيام. ويذهب البعض في توصيف بواطن علاقة أميركا بإيران باستخدام تعبير «العشق التاريخي» ليصل إلى القول أن الطلاق حين حصل بين الاثنين لم يكن طلاقاً بالثلاثة – أي طلاق من غير رجعة. اليوم تؤشر المعطيات، في رأي حلفاء طهران، أن آوان العودة قد حان وأن المسار قد بدأ.

التحليلات عن وجود تحولات جوهرية في السياسة الأميركية يردّها بعض المراقبين في مقلب المحور السوري – الإيراني إلى أسباب عدة، منها إحباط ويأس أصاب إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما من الرهان على الإسلام السياسي الذي تمثل بالإخوان المسلمين والحركات السلفية التي وصلت إلى السلطة بعد «الربيع العربي»، وارتكبت أخطاء قاتلة سواء في  ليبيا وتونس ومصر، وحققت تقدماً على الأرض في سوريا، فيما لا يزال هاجس أحداث الحادي عشر من أيلول ماثلاً في أذهان الأميركيين أنفسهم. ومن الأسباب أيضاً رؤية اقتصادية لما تملكه طهران من موارد طبيعية عدا النفط ، ومن سوق واعدة بحجمها البشري الذي يوازي ما يقارب ضعفي دول الخليج، ومن وجهة استثمارية مستقبلية مهمة تفتقد إلى الكثير جرّاء الحصار الذي تعانيه من عشرات السنين. ويدعم هؤلاء موقفهم بأن متغيرات عدة قد تحققت منذ الاتفاق الأميركي – الروسي على تسليم سوريا ترسانتها من الأسلحة الكيميائية وتراجع واشنطن عن توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا، أبرزها تحييد قطر نفسها عن الصراع السوري بعدما كانت منغمسة فيه بقوة، وعودة الحرارة إلى العلاقات الإيرانية – القطرية كما التقارب التركي – الإيراني، وتضييق تركيا إجراءاتها ضد مرور شحنات الأسلحة إلى سوريا، فضلاً عن عودة الاتصالات الدبلوماسية بين دول عربية وأوروبية عدة مع النظام السوري بعد التسليم ببقائه حتى نهاية ولايته.

تلك القراءة قد تحمل في طياتها بعضاً من «الاستنتاجات الواقعية» لكنها في آن لا تخلو من بعض «التفاؤل الزائد». استعجل المحور السوري – الإيراني وحلفاؤه باحتفال تحقيق الانتصار. فخيبة حلفاء واشنطن من تعاطي الإدارة الأميركية مع الملفات الخلافية في المنطقة ليست خافية، وقد جاء التعبير السعودي صارخاً في رفضه لآداء واشنطن حيال مصر، وحيال التقارب الإيراني – الأميركي من بوابة الملف النووي الإيراني، فيما المواجهة السعودية – الإيرانية على أشدّها، وباتت علنية ومكشوفة في سوريا والبحرين والعراق ولبنان وفي غيرها من الملفات. وهي مواجهة لم تصل إلى نهايتها لتحديد كل فريق لحجم انتصاراته أو خسارته، فيما لا تزال آفاق التسويات في مجمل الملفات بعيدة، إن لم تكن مسدودة راهناً.

لا بل إن المملكة العربية السعودية، التي نظر خصومها إليها، في الأسابيع الماضية، أنها مُنيت بهزيمة سياسية في المنطقة لصالح إيران على يد حليفتها الأقرب، نجحت في لجم اندفاعة واشنطن وفي تصويب الانحراف في سياسة أوباما إزاء القضايا التي تدعمها المملكة. على الأقل هذا ما سعى وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى إظهاره حين قارب تلك القضايا بمواقف نقيضة لما كانت إدارته  قد اتخذته: عدّل كيري لغته حيال مصر بعد الثورة الثانية، معلناً التزام واشنطن بدعم القاهرة لتجاوز المرحلة الانتقالية، وطمأن المملكة أن لا مكان للأسد في مستقبل سوريا، ولا مكان لإيران في جنيف 2، وأن واشنطن تنتظر من إيران أفعالاً لا أقوالاً، وأن اللااتفاق أفضل من أي اتفاق سيّئ، وأنه من الضروري بمكان عدم السماح لـ «حزب الله» بتحديد معالم المستقبل في لبنان،  ودعم الحوار في اليمن، في وقت كان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يُنهي زيارة إلى واشنطن اتسمت بالفشل.

مشهد يُعيد بعضاً من التوازن في الصراع الإقليمي، الذي بدا في الأسابيع الماضية، أن موازينه اختلت، لكنه بالتأكيد لن يكون ثابتاً. ومع تعثر انعقاد جنيف 2، بات مُنتظراً أن تستعرّ المواجهة على مختلف الساحات المفتوحة، وفي مقدمها  الساحة السورية التي سيسعى كل من الطرفين إلى تحسين واقعه الميداني فيها، ومعها الساحات الأخرى، ومنها لبنان المرشح، وفق مطّلعين عسكريين، أن تشهد ساحته الطرابلسية جولات عنف جديدة، وألاّ يكون بمنأى عن السيارات المفخخة.

المصدر:
اللواء

2 responses to “S.M.S بين جنبلاط وفيلتمان”

خبر عاجل