كتبت رينا ضوميط في “الجمهورية”:
لم يعش «عمر» طفولته مثل بقية الأطفال، فهو لم يستيقظ صباحاً متمَلملاً من الذهاب الى المدرسة، ولم يصدّق يوماً أن ينتهي اليوم الدراسي ليعود الى المنزل للّعب مع «أولاد الحي»، بل كان يتمنَّى أن تشرق الشمس ليهرب من «جحيم منزله»، وأن تطول ساعات الدراسة حتى لا يعود إليه، إذ وضَع له والده جدولاً آخر، «أكثر وحشية»، فكان يستفيق وينام على علاقات جنسية شاذة أجبَره «الأب الحنون» على ممارستها لقاء مبالغ «تافهة» لا تتعدى 15 دولاراً. أما «جميلة» فلم تعلم أنّ الأحلام الوردية التي رسَمتها لبيتها الزوجي، ستتحول الى نار جهنّم، بعدما اكتشفت أنّ زوجها «سيُشغّلها» في الدعارة مع بقيّة زوجاته القاصرات .
تتعدّد صور الفساد وأنماطه وتتغلغل في صميم أجيال المستقبل وشبابه، فمشاهد الدعارة وشبكاتها التجارية باتت عادية لدى كثيرين في مجتمعنا، ولكنّها بدأت تحتل حيّزاً أوسع نتيجة النزوح السوري وتعاظم المظاهر والآفات الإجتماعية المخلّة بالآداب والسلوك.
لا تقتصر الدعارة على فئة معينة وجنس واحد، بل شملت مَن هم تحت السنّ والعاجزين عن الدفاع عن أنفسهم ومقاومة الظلم المجبرين على تحمّله ومعايشته نتيجة الفقر والبؤس. فممارسة الدعارة لا تقتصر على الفتيات، وانما تتعدّاهن الى الشبان، خصوصاً في ظلّ الوضع المعيشي المذري.
«عمر» ضحية جشع والده
“ألم، وشعور بالإنزعاج نتيجة العلاقات الجنسيّة المتكرّرة، وإتجار إجرامي كسلعة تُشترى وتُباع وتخضع للمنافسة”، هذه كانت معاناة “عمر” ابن العاشرة الذي وقع ضحية سلطة أبيه السوري الطامح لجمع المال حتى ولو تعرض إبنه لشتى أنواع التعذيب.
مَن مثل “عمر” يُفترض أن يجلس على مقاعد الدراسة مع رفاقه، لكنّ ظلم الوالد ووحشيته دفعاه الى الانحراف الجنسي رغماً عنه، غير أنّ القدرة الالهية أعانت هذا الفتى فوجد الملاذ، ودفن الممارسات الشاذة والمنحرفة، فحبّ والده الكافر للمال دفعه الى الاتجار به بإجباره على ممارسة الشذوذ مع رجال يعتبرهم بمثابة “زبائن” مقابل مبلغ من المال يراوح ما بين 15 و50 دولاراً، وبعد نزاع نفسيّ مرير، تحرّر عمر الضحية من قبضة المجرم، إذ إنه لجأ الى رجل دين أجنبي يتولى مهمة رسولية في لبنان، ومعروف عنه أنّه المقصد والمرجع للأولاد الذين يعانون مشكلات، وبكلّ رحابة صدر بادر الأخير الى مساعدة الفتى وأدخله سريعاً الى مركز كان لديه شبه إطلاع معرفي عليه وهو مكتب حماية الآداب الذي يلاحق هذا النوع من الجرائم. وبعد اعلام المدّعي العام، بوشرت التحقيقات لمعرفة تفاصيل الحادثة.
وتُعتبر غرفة “صديقة الأطفال” في قصر العدل المكان المناسب والمؤهل لقاصر تعرّض لإعتداءات جنسية، وذلك بغية إستدراج الوقائع ومعرفة التّفاصيل الدقيقة، حيث إنها تحتوي على أجواء ملونة ومكتب صغير وكنبة، بالإضافة الى ألعاب ذات أهداف دلالية تبرهن العملية التناسلية بحسب المعايير الدوليّة وبمساعدة مندوبة إجتماعية تشرف على الاستجواب.
وسط هذه الاجواء، تأكدت صحة الوقائع ودهمت الشرطة منزل العائلة وأُحضرت الوالد الذي أنكر صحة المعلومات، وبعد معاينة الطبيب الشرعي لـ”عمر” ظهرت علامات الممارسات الجنسية، فاتُخذ القرار بتوقيف الأب وإبقاء الولد تحت رعاية رجل الدين.
القاصرات ضحايا الدعارة
تتفشى في المجتمعات العربية والغربية حالات كثيرة تصبّ في خانة الدعارة وشبكاتها التي تعمتد الإتجار بالفتيات اللواتي يعانين الفقر والحاجة والبؤس، فيبعنَ أجسادهن، لتصبح الدعارة لديهن بمثابة عمل مشروع.
تنخرط بعض الفتيات القاصرات من اللبنانيات ومن العربيات اللواتي معظمهن من السوريات في ممارسة الدعارة كمهنة لكسب المال. ويعمدن الى التواصل مع الزبائن عبر شبكات منظمة، وفي بعض الأحيان يتّكلن على الذات وعلى المهارات الجسدية. أمّا عمل الفتيات فلا يخضع لرقابة قانونية، إذ يخرجن مع الزبائن في الوقت الذي يتفقن معهم عليه، أمّا التعرفة فتراوح بين 50 دولاراً كحد أدنى و200 دولار، وأحياناً قد تبلغ قيمة هذه التعرفة 1000 دولار لقضاء ساعة من الوقت أو أكثر، وترتفع أكثر بحسب مقوّمات الفتاة الجسدية ومدة اللقاء. أما الاخطر فهو “تشغيل” المراهقات السوريات مقابل مبالغ مالية أو “خدمات جنسية”، وهي دعارة أصبحت منتشرة بكثافة في المناطق اللبنانية، والسبب هو الفقر المدقع الذي يعيش فيه السوريون، فمنهم من “يبيع” ابنته لممارسي الدعارة والجنس مقابل مبالغ مالية تمكنه من إعالة عائلته.
تتشابه قصص الفتيات القاصرات وتتقاطع، ولكنّ “المصيبة” توحدهن، فمنهنّ من يبغين المال السهل ومنهنّ من وقعن ضحية الأهل.
ولم تتخيّل “حياة” ابنة الـ16 ربيعاً أنّ والدها سيشغلها في الدعارة و”القرف”، بهدف إنقاذ عائلتها من الجوع، بعدما هربوا من الحرب الدائرة في سوريا. وقصة “حياة” هذه تشبه قصص فتيات سوريات كثيرات بعنَ أجسادهنّ لتأمين لقمة العيش، سواء أكان ذلك بإرادتهن أو بإيعاز من الأهل.
«رفقة» سيئة
نجلاء ابنة الـ17 عاماً، تضجّ حياة وجمالاً، وكانت من المتفوّقات بين أبناء صفها تعيش في قريتها الهادئة وتنعم بعائلة صغيرة وسعيدة غنية بالعاطفة. أما الوضع المادي فكان محدوداً، وكم كانت تتمنى ارتداء ملابس الأثرياء. فبعد حصولها على شهادة الثانوية العامة نزحت الى بيروت حيث تسجّلت في احدى الجامعات. لكنّ الرفقة السيئة أثرت فيها سلباً، فبعض صديقاتها أخبرنها عن وظيفة تدرّ المال سريعاً وبلا تعب. فالليلة الاولى في مهنة الدعارة كانت صعبة عليها، ولكنها مع الوقت اعتادت “الفخفخة”، ولم تعد تقبل إلّا ارتداء الأزياء من أفخم المتاجر، والساعات من افضل الماركات المعروفة، ناهيك عن سيارة من الطراز الحديث وشقة في بيروت.
تجارة وهوس
اما “أسماء” ابنة الـ 18 ربيعاً، فقد إختارت أحد شوارع بيروت مكاناً لبيع جسدها، فالتجارة التي اختارتها سبقتها إليها والدتها وشقيقاتها الاربع بغية الحصول على المال، بعدما ضاقت الحال بهنّ. فكانت الوالدة تدير شؤون بناتها وتُدرّبهن على مهنة “ربّيحة” رأسمالها “الدلال والجسد الممشوق”. ولم تُحبّذ أسماء هذه الممارسات في البداية، لكنها اعتادت هذا الوضع مع الوقت، وباتت مهووسة جنسيّاً.
المافيات و«قوّادها»
السلطة المباشرة أحكمت قبضتها ووضعتهنّ في دائرة الدعارة… هنّ فتيات من جنسيات مختلفة، مُرغمات على تنفيذ ما يُطلب اليهن، ويُشغِّلهُنَّ مَن لهم سلطة عليهنّ كالأب أو العمّ في نادٍ ليلي لممارسة الإستعراض والرقص والغناء. وفي نهاية المطاف، يختار “الزبون” الفتاة التي يريدها، فيدفع المال لمدير النادي الليلي الذي يتقاسم هذا المال مع والد الفتاة أو العمّ. إنّ بعض هذه المحال قد دهمتها القوى الأمنية واوقفت الأب والعمّ وصاحب الملهى وأُخلي سبيل الفتيات القاصرات، وخُتِمت بالشمع الأحمر. ولكن يبقى السؤال، مَن يحمي بقية شبكات الدعارة؟ ولماذا لم يتمّ دهمها وتوقيف أفرادها؟
أما الملفت فهي قصة رجل من جنسية عربية يختار من بلده الأم فتيات قاصرات حسناوات المظهر يعشن في الارياف، فيتقرّب منهنّ عبر إغوائهن بالزواج. فيبادر الى الزواج منهن قانونياً ويدفع ما يتوجب عليه من مقدّم لأهلهن ويصطحبهن الى لبنان الواحدة تلوَ الأخرى. فيودعهن لدى شريكته في الشبكة الإجراميّة التي تشغلهن في بعض النوادي الليلية في لبنان، ويقول عمن يصطحبهن إنهن قريباته وسيذهب الى الجنوب أو الى الشمال ليومين أو ثلاثة بهدف العمل. وفي اليوم الأول والثاني تقوم هذه “القريبةـ القوّادة” بإطعام الزوجة، أمّا في اليوم الثالث فتقول لها: “لا طعام أعطني ما تملكينه من مال”، فتردّ عليها: “لا مال لديّ”، وهنا تصرّ الشريكة على جلب المال، بداية عبر التنظيف، ثم تحرّضها بنحو غير مباشر على اللجوء الى ممارسة الجنس مع رجال، مؤكدة لها انها لن تخبر زوجها. فتقدم الفتاة ـ الزوجة مرغمة على هذا العمل، وتعطي المال للمرأة. وعندما يأتي الزوج بعد يومين، يقول لها بعد أن يكون قد اتفق مسبقاً مع شريكته: “علمت أنك خرجت مع رجل فأنت ساقطة وطالق وسأخبر والدك حتى يذبحك في بلدك”. فتخاف الزوجة من اللجوء الى والدها حيث سيكون مصيرها الشنق، كذلك هي لا تستطيع التبليغ، فلا أوراق ثبوتية تحملها لأنها مع الزوج. فيما تكون الشريكة قد هددتها بالابلاغ عنها بأنها سرقتها، فتكتشف هذه المرأة أنها قد وقعت ضحية غشّ وخداع ولا تجد من تلجأ اليه لتشكو له ما حلّ بها، وفي هذه الحال تصبح مرغمة على ممارسة الجنس، الى أن يأتي مَن يفك أسرها.
دعارة أم إتجار في البشر؟
إنّ جُرم الدعارة هو كلّ خدمة جنسية لقاء بدل، أكان مادياً أو غير مادي. وفي هذا الإطار يدعو رئيس مكتب حماية الآداب في قوى الامن الداخلي المقدم ايلي الاسمر عبر”الجمهورية” “إلى التمييز بدقة بين دعارة قاصرين عادية وبين الإتجار بالبشر، لأنه غالباً ما تؤدي دعارة القاصرين الى الإتجار بالبشر”. ويضيف: “عندما تقدّم فتاة قاصر تعمل في الدعارة خدمةً جنسية، وتأخذ البدل المادي برضاها وكلّ المردود المادي يكون لها بنحوٍ أوّلي يمكن إعتبارها دعارة قاصرين”. ولكنّ هناك بعض القانونيين يعتبرون أنه “حتى لو أنّ الفتاة قاصر وأنّ المردود المادي يعود لها، فإنّ الناس هنا يستغلون نقطة ضعفها المادية أوالنفسيّة أو الجسدية، وهذا الشيء قد يؤدّي الى الإتجار بالبشر وهناك نقاشات عدّة حول هذه النقطة”.
ويعتبر أنّ “القاصر بمجرّد أن يؤمِن لها أحدهم مسكناً أو عملاً أو يسمسر لها زبوناً بهدف إستغلالها، هنا نكون دخلنا فعلاً في الإتجار بالبشر حتّى من دون أن تكون مخدوعة أو معنّفة بحسب القانون”.
ويضيف: “أثناء التحقيقات تلجأ الضحية الى خلق الأعذار وأبرزها: “الأوضاع الإقتصادية السيئة”، مشدداً على أنّ “هذه الفتاة التي تكون الضحية لا نُعاقبها بل نُبعدها عن المحيط الذي تعيش ضمنه بناء لإشارة القضاء، ونُحيلها الى دور رعاية لتأمين المساعدة النفسية والجسدية لها”.
الفساد مُستفحل، وهو باق ليتحكم بالمجتمع وأبنائه. ما يجعل لبنان أسير دعارة مقيمة وأُخرى وافدة تديرها شبكات ولا يبرّرها تذرّع المتورطين بـ”الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة”، لأنّ خطرها على المجتمع وعلى الاخلاق والآداب العامة يفوق خطر تلك الظروف حتى ولو اصاب هذا المجتمع الفقر المدقع ما يستلزم من الدولة معالجات سريعة حتى لا يصل اللبنانيون يوماً الى مقولة أمير الشعراء أحمد شوقي”… فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”
افة خطيرة بمجتمعنا