كتبت ناتالي إقليموس في صحيفة “الجمهورية:
كفَى سلاحاً! كفَى حرباً! كفَى عنفاً وقتالاً وانقساماً وعداءً! إفسحوا المجال للمصالحة! هذه العبارات ما عادت كلمات يُتمتِمها قلب البطريرك غريغوريوس الثالث لحّام على مسامع الرب ويهمسها في أذنَيّ السيدة العذراء خلال صلاته، إنما نداء تفجَّر من أعماقه إلى العالم، صرخة سالت لها دمعته وهزّت كيانه أمام ما تشهده المنطقة من مآسٍ.«في هذه المرحلة الحرجة، للمسيحيّين دور أكثر من أيّ وقت مضى»، هذا ما أكّده غبطته في حوار مع «الجمهورية»، داعياً المؤمنين لا إلى أن يقفوا على الحياد أو إلى جانب الانظمة ضدّ الثورات، إنما إلى اكتشاف هويّتهم ليقوموا بدورهم. فـ«لا حضور بلا دور، ولا دور بلا حضور».
كيف تغمض جفون غبطته أو يترك غيره ينام، وهو من اختار لنفسه إسم “غريغوريوس” ويعني السّاهر، اليقِظ والخادم. فهو أبى عبر مسيرته الكهنوتية إلّا أن يُترجم اسمه أفعالاً. وإذا كانت الكنيسة تتنفّس برئَتيها الغربيّة والشرقيّة، فإنّ غبطته يتنفّس برئَتي المحبة والسهر.
وسط زحمة انشغالاته وتحضيراته للقاء البطاركة الكاثوليك مع البابا فرنسيس، في 21 من الشهر الجاري، بدأ حديثنا مع البطريرك لحام.
• هل الحراك المسيحي المستجدّ، من خلال المؤتمرات التي تُعقد واللجان التي تؤلّف، هو دينامكية متجددة أو نتيجة قلق مسيحي؟
– بداية، أكثر ما يُميّز هذه المؤتمرات يكمن في الحضور العلماني. فإلى جانب المجالس التي تأسَّست، منها: مجلس كنائس الشرق الاوسط، مجلس البطاركة الموارنة، مجلس البطاركة الكاثولكيّين الشرقيين، نشهد الآن نهضة تنمُّ عن شعور العلمانيين ووَعي لأهمية المرحلة في المنطقة كلها، ورغبتهم في التفاعل مع هذه الاوضاع. لذلك كان تأليف هذه المؤتمرات ذات طابع علماني على مستوى العالم العربي وليس فقط لبنان.
ولا ننكر وجود قلق بسبب ما نعيشه من قتل وتهجير واعتداء ونزوح، ولكن الأهمّ من ذلك، انّ القلق مقرون بالتساؤل الذي يطلب جواباً. وأجد في ذلك علامة صحة جيّدة للمجتمع المسيحي، مهما كان نوعها ولونها ونتائجها.
• إلى أيّ حدّ تأمل أن تُحقِّق هذه المؤتمرات الغاية المرجوّة منها، وألّا تزول مفاعيلها مع انتهاء المصافحات، ولا سيما السياسية منها؟
– إنّ مجرّد عقد هذه المؤتمرات، وبما أنّ هناك استعدادات لعقدها واتصالات وكلمات وأفكار وتداولات، فهذا نجاح في حدّ ذاته، لأنّ التهيئة جزء من المؤتمر. وأعتبر أن هذه الحركات هي بداية وانطلاقة، على أن نترك للمقرّرات وقتها الكافي لتنضج. من موقعي أؤكد أنّني على استعداد لدعم هذه المؤتمرات، وأبواب البطريركية مشرّعة لاحتضان المناقشات.
وحفاظاً على مفاعيل المؤتمرات، على المشاركين وممثّلي مختلف التيارات والجهات المشاركة، الدعوة الى وَضع خريطة طريق، “حَفَرَ” خطوطها الواضحة الارشاد الرسولي.
«الرئيس القوي»
• يتردَّد في الآونة الاخيرة الحديث عن “رئيس جمهورية قوي”. ما هي مقوّمات الرئيس القوي في القاموس المسيحي؟
– أودّ العودة هنا إلى ما قاله البابا فرنسيس في اجتماع الشبيبة العالمي في البرازيل: “على المسيحي أن يكون له هوية، سواء كان نائباً أو سياسياً أو في أي منصب، عليه أن يدخل معترك الحياة بصفته “مسيحي” لكي يُغني المجتمع المسيحي – الاسلامي – الدرزي… بما هو عليه من قيَمٍ وهوية.
مهمّ جداً أن يكتشف المسيحي هويته ليقوم بدوره، وإلّا من الصعب أن يكون له دور وحضور. لذلك مسؤولية كلّ مسيحي “قوي” سياسياً، واقتصادياً… أن يكون له هوية مسيحية يتمكن من خلالها إغناء عمله من دون كبرياء أو تعصب. على سبيل المثال، أن يُصلي قبل بدء نشاطه، أو أن يرسم إشارة الصليب من دون تحدٍّ إنّما إغناء. ليس المقصود أن أخلط الدين والدولة، إنما أن تترك الكنيسة مجالاً للسياسة وأن تترك السياسة مجالاً للكنيسة، توافق ضمن استقلالية وإغناء متبادل، لكي لا نكون دولة دينية متعصبة، تكفيرية أصولية، وفي الوقت عينه ألّا نكون دولة بلا إيمان.
• هل تعتقد أنّ الفراغ الحكومي والفراغ الرئاسي المحتمل ينعكسان سلباً على الواقع المسيحي في لبنان؟ وهل من مساعٍ لدى الفاتيكان من أجل تحرّك دولي تجنّباً لفراغ رئاسي محتمل؟
– نعيش اليوم مأساة كبيرة في هذا الظرف الصعب جداً من تاريخ لبنان “حرب بلا حرب”، لأنّنا لم نتَّفق على وجود حكومة، وكأنّ الشعب في وادٍ والنزاع السياسي في وادٍ آخر. نحن في نزاع داخلي، أشدّ شراً من الحرب الواقعة، في ظل غياب حكومة قوية تُطلق المشاريع وتتبنّى الافكار.
“يا ريت” تتشكّل حركة بين مختلف الطوائف تدعو الأفرقاء، من دون أن تنحاز، إلى قمّة مسيحية – إسلامية في وقت قريب، تمكّن من تأليف حكومة لمواجهة الظروف الصعبة في التزامن مع تطوّر مستقبل المنطقة. فالوضع استثنائي ويحتاج إلى عقد قمّة مسيحية – إسلامية في أوائل كانون الاول المقبل.
وفي سياق متصِل، أستبعد تدخّل الفاتيكان في تفاصيل لبنان السياسية، إنما هو يدعو إلى السلام والمحبة.
لا دور بلا حضور
• من تُحَمّل مسؤولية ما يعانيه مسيحيّو المشرق اليوم؟ هل تحمّلها للمسلم لعدم إدراكه أهمية الوجود المسيحي في المنطقة؟ أو للمسيحي لعدم تشبّثه بأرضه، أو للمجتمع الدولي؟
– واقع المسيحيين في المنطقة مؤلم جداً، عددياً ومعنوياً، نتيجة المآسي. أقولها دائماً، أعطونا أماناً، أعطيكم حضوراً مسيحياً قوياً، تضامناً مسيحياً – إسلامياً وعيشاً مشتركاً. الازمة الكبرى هي النزاع الفلسطيني- الاسرائيلي-العربي. 90 في المئة من أسباب الهجرة مردّها الى الازمات المتكررة، بعد كل أزمة نشهد تاريخياً موجة جديدة من الهجرة المسيحية. لذلك أرفض إلقاء المسؤولية على أي طرف. لو لم يكن المجتمع العربي ممزّقاً ضعيفاً، لَما نجَحت “الأصولية” غير الاسلامية في نَخره.
من جهتي، كمسيحيّ أدافع عن الإسلام ضد التيارات التكفيرية لأنها تسيء إليه وإلى المسيحية، كما أنّ الهجرة لا توفّر أحد. من هنا لا مجال لنفكّر في فريق من دون آخر، إنما بطريقة تشمل أطياف هذا المجتمع. وكما التحديات مشتركة، كذلك حلولنا مشتركة، لذلك أشدّد على التواصل المسيحي – الاسلامي، لنتغلّب على الازمات الصعبة.
• ألا تعتقد أنّ قيام أنظمة ديموقراطية مدنية يضمن الوجود المسيحي المشرقي؟
– الانظمة الديموقراطية مطلب مشترك، فالمجتمع الاسلامي ليس في منأى عن التيارات العلمانية المعاصرة وحتى الإلحادية. لذلك، أن نخلق مجتمعاً ديموقراطياً حرّاً منفتحاً، متفاعلاً، خلاص لنا جميعاً. وأظنّ أنّ المجتمع الاسلامي يحتاج إليه أكثر من المجتمع المسيحي الذي نجد فيه عموماً الانفتاح. للمسيحيّين دور في أن يَحموا هذه القيَم ويكونوا صفاً واحداً. لا ننسى أنّ جزءاً كبيراً من ثقافتنا المسيحية هو في الإسلام، وانّ جزءاً كبيراً من حضارتنا الإسلامية هو في المسيحية. إذاً، هناك تمازج تاريخي قوي، لذلك يجب أن نستمد من التاريخ من أجل إضاءة مستقبلنا.
• ماذا تنصح المسيحيين في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ المنطقة؟ أتنصحهم بالحياد، أو بإعطاء إشارات الى أنهم مع الأنظمة ضد الثورات، أو بحَمل مشروع تغييري إصلاحي يتيح لهم الظهور بأنهم روّاد التغيير والإصلاح؟
– في آب 2012 أصدرتُ رسالة تحت عنوان: “المصالحة هي خشبة الخلاص الوحيدة في سوريا”، عبَّرتُ فيها عن أن المصالحة هي خدمة الكنيسة التي اكتشفت دورها وسط الازمة السورية على أنها خادم المصالحة الداخلية والخارجية. لذلك، في خضمّ الازمة السورية، قلت: ليس علينا اليوم أن نخاف ونتقوقع ونُحبط، ولكن علينا أن نكتشف دورنا في هذه المرحلة، في هذه المنطقة.
ليست المسألة في دعم النظام أو التصدي له، إنما في أن نحظى بدور إيجابي، أن نكتشف كيف يمكننا الجمع بين فئات مختلفة. لذلك أنا في صدد التفكير بتأليف مجموعة فكرية مسيحية – إسلامية بعد الازمة.
الخوف موجود ولا أحد يمكنه إنكاره، لكن لا يجب أن يكون الخوف المحطة الاخيرة، وأفضل طريقة للتخلّص من الخوف والاحباط تكون في البحث عن رسالتنا، ودعوتنا، ودورنا. دورنا في حضورنا وحضورنا في دورنا، فلا حضور من دون دور ولا دور من دون حضور.
«جنيف»… عيدية
• على وقع الصلاة التي تنشدها لعقد “جنيف 2″، هل تعتقد أن هذا المؤتمر لا يزال ممكناً في ظلّ استمرار انقسام المعارضة السوريّة وإصرار النظام على بقاء الرئيس بشّار الأسد في السلطة؟
– الله قادر على كل شيء، ما ليس مُستطاعاً عند الناس مستطاعٌ عند الله. مَن كان يفكر أن تقف الضربة على سوريا بين ليلة وضحاها؟ هذه الضربة لم تَتحقّق بفضل صلوات قداسة البابا. نحن على عتبة عيد الميلاد، وهو عيد لقاء الله مع الانسان، لا بدّ من الصلاة. لذا، أعتقد أنّ هناك آمالاً في أن ينعقد “جنيف 2”. من جهة أتمنّى، وفي الوقت عينه أدعو وسائل الاعلام، وأوروبا الغربية المسيحية، إلى كلمة واحدة لدعم المسيرة. ما لا نتوقعه يمكن أن يأتي. وإن شاء الله يكون المؤتمر بمثابة عيدية، هدية ميلادية.
• متى “العيدية” في ملف خطف المطرانين بولس اليازجي ويوحنا إبراهيم؟
– كان يجب أن يكون إطلاقهما عيدية عيد الاضحى وتأخَّرت. لذا، أتمنى أن تكون حريتهما عيدية الميلاد. المؤسف انني لم أتبلّغ شيئاً جديداً.
• في ظل تنامي الحركات الإسلاميّة المتشدّدة كيف تدعم الكنيسة مسيحيّي سوريا؟
– الكنائس كلها تعمل ما في وسعها للمساعدة وتخفيف معاناة الرعايا. ندقّ الأبواب شرقاً وغرباً ومحلياً وعالمياً لكي نحصل على ما يمكّننا من متابعة خدمتنا من دون تفرقة أو تمييز. تجنّد الكنيسة كلّ قواها ومادياتها في دعم الناس وحضّهم على عدم الإستسلام والهجرة.
• أيّ دور للمسيحيين في رسم مُستقبل سوريا؟ وفي العالم؟
– أتمنى أن يشهد مؤتمر “جنيف 2” حضوراً مسيحياً، وتحديداً مشاركة البطاركة الثلاثة الذين لهم كرسيهم في دمشق، أقلّه كمراقبين حاضرين، فوجودهم يطمئن الأقليات. ليس المطلوب أن نخاف أو نُحبط أو نهرب، لدينا دور أكثر من أيّ وقت مضى، كما في التاريخ كان لنا دور فاعل، سيكون لنا في المستقبل دور مؤثّر.
• هل من كلمة أخيرة؟
– في الليلة الظلماء يُفتقد البدر، إيماننا وقيمنا الروحية يجب أن تكون نبراساً لنا، في هذا المستقبل، في هذه الايام السوداء، الكالحة. أدعو المسلميين والمسيحيين الى العودة إلى قيَم الايمان التي هي أساس قيمنا الانسانية الاجتماعية، السياسية (…). والوصول إلى وحدة لبنان، لأنّ لبنان هو ضمير العالم العربي، رسالة في الداخل والخارج. وأملي كبير في أن يسترجع لبنان عافيته ووحدته.
في الختام، مخطئ من يظنّ لوهلة أنه يخرج من مكتب غبطته ولا شيء معه إلّا كلمات. كن نوراً ! كن ملحاً ! كن خميرة ! تجلّد لا تهاجر! زادٌ حَملته معها “الجمهورية” لقرّائها، لتبقى “علامة فارقة” في مجتمعها، كما اعتادوا عليها.
ولك أية مصالحة بعد ١٥٠ الف قتيل