يحتفل اللبنانيون هذه السنة بالعيد الـ70 للاستقلال عن الانتداب الفرنسي، الذي حَلّ مكان الحكم العثماني الذي استمر حوالى 400 سنة متواصلة.
منذ ما قبل الكنعانيين والفينيقيين، مروراَ بالمصريين والفرس والإغريق والرومان والبيزنطيين والعرب والصليبيين والعثمانيين والفرنسيين، تعايش اللبنانيون في ظل كل هذه الاحتلالات، التي قاوموها حيناً، وهادنوها أحياناً أخرى، وعانوا من وحشيتها وقسوتها في كل الأحيان.
الاعتراف بدولة لبنان الكبير أتى كفلتة شوط بين حربين عالميتين، ونتيجة لتصميم وإرادة لدى أبنائه وقياداته، وعلى رأسهم المثلث الرحمات البطريرك الياس الحويك، الذي كان له الفضل الأكبر في ذلك. وبعد إنتهاء الحرب العالمية الاولى، كان نضال اللبنانيين الذي أثمر إستقلالا أول في 22 تشرين الثاني 1943.
هذا الشعب الذي تعود على أن يكون مُسَيراً تحت الإحتلال أو الوصاية منذ بداية تاريخه، لم يتأقلم جيداً مع وضعيته الجديدة المختلفة كلياً عن سابقاتها، والتي اختبر من خلالها أن يعيش بحرية تامة وقدرة على تقرير مصيره بيده.
تلك اللعنة جعلت من معظم مسؤوليه آداة بيد أنظمة خارجية، ومن اللبنانيين مساندين ومناصرين لتلك الأنظمة بتبعية عمياء لزعمائهم، الذين جعلوهم أنصاف آلهة، وما زالوا. فكانت كل المشاكل في العالم، وخصوصاً العربية، تتفجر عندنا ثوراة وتظاهرات وأعمال شغب. هذا الواقع المرير، كان يختصره أجدادنا بجملة معبّرة جداً، ما زالت تشكل خير وصف لما نُعاني منه اليوم: وين ما حبلت بالعالم… بِتخَلِف عِنّا.
بالكاد مرّت بضعة سنوات على الاستقلال، حتى بدأت الثورات والاصطفافات والاستقواء بالخارج. فمن عبد الناصر والوحدة العربية، وياسر عرفات والوطن البديل، وحافظ الأسد والمحافظة المسلوخة والمتمردة، وما بينهم، وجدت فئات لبنانية في تلك الحالات، مناسبة للإنقضاض على اللبنانيين الآخرين من خلال الاستقواء بالخارج، وتفضيل الغريب على أبناء وطنهم بأبشع أوجه العمالة والتبعية والخيانة.
عجيب أمر هذا الشعب الغريب عن بعضه البعض والذي يَدّعي محبة الآخر ويتغنى بالعيش المشترك!! فإذا نظرنا جيداً الى هذا الواقع الأليم، نرى أن اللبنانيين في معظمهم بعيدين كل البعد من أن يكونوا شعباً واحداً. فكل الحوادث عبر التاريخ، والماضي القريب، والحاضر، تؤكد، لا بَل تُثبت، أنهم عدّة شعوب، أو بالأحرى قبائل وعشائر وجماعات، تأتي من خلفيات دينية وثقافية وحضارية وعقائدية، ليست مختلفة وحسب، وإنما وفي معظم الأحيان… متناقضة.
عندما أتى الاستقلال الثاني، بعد خروج جيش الاحتلال السوري سنة 2005 تحت وطأة الانتفاضة الشعبية التاريخية التي ترافقت مع ضغوط دولية هائلة، استبشر اللبنانيون خيراً ببدء مرحلة جديدة بإستقلال ثانِ بعد سنين طويلة من الحروب والعداوات بينهم، ولعلهم يتفادون الوقوع في الأخطاء القديمة التي حرمتهم من اسقلالهم الأول. لكن الغريزة دائماً أقوى من الأمنيات والتمنيات.
فغريزة العبودية والولاء للغريب التي تُعشعش في العقول والنفوس المريضة، أفرزت قسماً من اللبنانيين بتبعية عمياء للنظام السوري الذي كان وقتها يُمعن قتلاً وتفجيراً واغتيالاً باللبنانيين الآخرين… وما زال!!
وصلت الوقاحة ببعضهم، الى إشهار ولائه الكامل لأولياء أمره في الخارج، ومشاركته في حروب إقليمية، متجاهلا كل ما يحتويه الدستور اللبناني، والمواثيق الدولية، والأهم من كل ذلك، كسر الجرّة مع اللبنانيين الآخرين في لحظة النشوة والشعور بالقوة المفرطة. أضف الى كل ذلك، فهو يسيطر سيطرة كاملة على مناطقهم بالقوة، فارضا على ساكنيها عاداتهم وتقاليدهم وطريقة عيشهم.
فأي استقلال هذا الذي نحتفل به؟ لقد مرّت علينا 30 سنة من الاحتلال الظالم والغاشم، الذي كان يحصي أنفاس اللبنانيين، وكل أجهزة الدولة تحت سيطرته، وكل مسؤوليها، من أصغر موظف وصولاً لرئيس الجمهورية يومها، ينفذون أوامره بحذافيرها، ونحن كنا وما زلنا نُعَيِد الاستقلال في كل 22 تشرين! صحيح أن هذا الوطن مُعترف به من كل دول العالم والامم المتحدة وجامعة الدول العربية، لكن المشكلة الكبرى تكمن بأن جزءا من مواطنيه لا يعترف بلبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه!!
فمنهم مَن لا يعترف بحدوده الحالية كحدود نهائية، ومنهم مَن أراده وطناً بديلاً، ومنهم مَن يراه امتداداً لدولة أخرى، ومنهم مَن يعتبره جزءًا صغيراً من أمّة كبيرة… فهل يمكن لهكذا مجموعات غريبة عن بعضها ومتناقضة باستراتجياتها، أن تبني وطناً سيداً حُرّاً ومُستقلاً؟
طبعاً الجواب أتى مراراً وتكراراً من خلال كل الويلات التي مرّت على هذا الوطن الصغير، ولكن ويا للأسف، ما زلنا نخدع ونغش ونضحك على بعضنا البعض.
جاءت الحرب السورية لتزيد الطين بلّة وتوسع الشرخ بين الشعوب اللبنانية، وتُبَيّن هشاشة الوضع اللبناني وضُعف شرعيته العاجزة، وجنوح فئاته الى ربط مصيرهم بمصير أنظمة خارجية، ولو على حساب علاقتها بالفئات الأخرى، وضرب كل التقاليد والصيغ والمواثيق والأعراف التي تجمعها بها، عرض الحائط.
فهل سيبقى وطن، بعد كل الحقد والكراهية والعداوات التي يُنَمونها في نفوس أتباعهم ومذاهبهم؟ الى أين سيصل بنا المطاف، والى متى ستبقى بعض الفئات تمارس ضبط النفس منعاً للإنفجار الكبير؟ ألم يحن الوقت بعد لأن نُدرك أن الاستقواء بالغير لن يُجدينا نفعاً بعد كل التجارب التي مررنا بها؟
ما زلنا حتى اليوم، وبالرغم من مرور كل هذه السنين التي مرّت علينا منذ الاستقلال، نبحث عن وطن ضائع. وطن يشبهنا ويشبه تقاليدنا وطرق عيشنا، وطن يشبه الأوطان الاخرى التي اجتازت محنها وأصبحت من أهم دول العالم في الاستقرار والاقتصاد والعيش الكريم بسلام وطمأنينة.
فقبل التلهي بالاحتفالات الفولكلورية والتمنيات الزائفة، ليُصارح كل فريق الفريق الآخر بنظرته وخططه لمستقبل هذا الوطن، وعندها، وعندها فقط، يمكن لكل الأفرقاء أن يجلسوا على طاولة مستديرة، ليحاولوا تقريب وجهات النظر، لإرساء نظام ثابت قابل للحياة والإستمرار. وإلا، فالصراعات والانقسامات وتَحَيُن الفرص الخارجية للانقضاض على الآخرين ستستمر، ومن خلالها الويلات والمآسي على كل ساكني هذا الوطن.
أما آخر الدواء، وإذا كان الخيار بين عيش مأساة مستمرة، أو الكي، فأعلموا أنه بالنسبة لنا، ومع أننا لا نوفر أي مجهود للحفاظ على وحدة هذا الوطن، فسنختار الكي المؤلم، الذي يبقى فيه الأمل الأخير للوصول الى الشفاء وبرّ الأمان. فبين وطن موحد تتآكله الصراعات وتدمره النزاعات، ووطن يعيش مواطنوه بأمان ووئام في ظلّ نظام لا مركزي شبيه بأنظمة أهم دول العالم، فحتماً، ومن دون أي تردد، سنذهب الى الخيار الثاني. ومن له أذنان سامعتان… فليسمع.
من أبرز الدول الفدرالية والتي تضم أكبر وأقوى دول العالم: الولايات المتحدة الأميركية، روسيا، استراليا، سويسرا، المانيا، كندا، البرازيل، الأرجنتين، الهند، باكستان، أثيوبيا، الامارات، العراق، السودان… وغيرها الكثير من البلدان الاخرى. فهل نحن أذكى من كل تلك الشعوب؟ ام أن جهلنا وتعصبنا كما دائماَ، يشدونا الى أدنى مستويات التصنيف لشعوب العالم؟
بكل جرأة وبعيداً عن كل تخوين وتضليل وتكاذب، فالحل الأفضل المتوفر والمبني على الواقع والوقائع، يبدأ بلامركزية إدارية موسعة جداً تضع حداّ لكل السمسرات، والمحسوبيات، وتُخمة التوظيف، والكيد السياسي، والانماء غير المتوازن… وصولاً الى دولة بقوانين صارمة تُطبق على كافة المواطنين ويكون فيها الجميع تحت القانون وما من أحد فوقه مهما علا شأنه.
عندها فقط، يمكننا فعلياً أن نفتخر بأنه لدينا وطن يعنينا بكل ما ومَن فيه، ونرفع رؤوسنا عاليا في عيد استقلاله.
ألدولة في موت شبه سريري تلفظ أنفاسها الأخيرة …… وإلى أن يأتي ذلك الإنعاش الذي قد يعيدهها إلى الحياة ثانية إلى ذلك الوقت سنظل نفتش في القواميس والأغاني الوطنية عن معنى كلمة إستقلال ……….
من دون شك