الاستقلال؟ عرفته مرة حين تمتعت عيناي برؤية اخر دبابة سورية تختفي خلف غبارها وتغيب خلف الحدود، جلاء جيش آل الاسد عن لبنان. يومها كان استقلال.
ربما لم يتبق الا الاحتفال الرمزي بالذكرى، لنبقى نقول اننا عشنا ذات عمر لحظات مجيدة. مفرح الاحتفال، وحدات من الجيش اللبناني وقوى الامن، الخيالة، الدبابات، الملالات، موسيقى الدرك تتوالى امام عيون المشاركين من فئة المسؤولين الذين يصطفون فوق المنصة وهنا الحكاية.
نعرف ان من يصنع الاستقلال هم الرجال، الا يقولون رجالات الاستقلال، ومن يصنع الذل ايضاً رجال الا يقولون العملاء؟ كيف يقف العميل بالتساوي مع غيره الى منصة هي عملياً منصة شرف؟ في لبنان تحصل، دائما تحصل لذلك لبنان ليس مستقلا بعد ولا تبالوا بالخطابات الرنانة الكاذبة حول الموضوع.
مع ذلك المشهد جميل. على الاقل هو صورة مصغرة عما نحلم به، ما زلنا نحلم، عمر بحاله عبر فينا وما زلنا في مرحلة الحلم، متى نحتفل بالحلم الحاضر بيننا لا نعرف، نعرف ان كلما توهّمنا انا اقتربنا من الهدف فاذا به وهم صحراء، الاستقلال الحقيقي.
الذكرى دامية هذه السنة، من تفجيرات طرابلس وصولاً الى السفارة الايرانية وما بينهما من حوادث، تدل على كل شيء، كل شيء الا الاستقلال، ومع ذلك يقف المتّحدون بالذكرى الى منصة واحدة!
عندما تستقلّ المنصة وتختار بدقة من يقف عليها ليشارك بأشرف المناسبات، يكون لبنان استقل.
هي قوة اتخاذ القرار من دون خوف ولا مراعاة على حساب صورة وطن وكرامته. كيف يقف الى المنصة من يدعو الى الولاية وهو ابن الجمهورية؟
كيف يقف اليها من يخوض حروبا عبثية خارج الحدود وندفع الثمن هنا من اشلائنا؟
كيف يقف من لا يعترف حتى الان بلبنان كيانا قائما بحد ذاته وبحدوده المعترف بها من الانجيل المقدس وصولا الى سخافات البشر؟
كيف يشارك بلحظات الشرف من لا شرف لديه الا الانحناء على أبواب من احتلنا، وهجرّنا، واعتقلنا لعشرات وعشرات السنين؟
اليست المنصة شاشة الوجوه التي يجب ان تكون هي الانقى؟!
ماذا يحصل؟ او هذا سؤال ما عاد يُسأل في لبنان. هنا وطن اللاوطنيين هذا اكيد، هنا وطن الصفقات والكذبة هذا معروف…ومع ذلك نحتفل.
لا نعرف اذا كنا سنعيش بعد اللحظة الرائعة، ولو كنا ما زلنا في الصبا، اي الاستقلال الفعلي، لكن يبدو ان الاحلام التي يسببها لنا الاستعراض العسكري في الاستقلال، تدخلنا في ما يشبه السخونة او حرارة الاحلام المرتفعة.
جميل المشهد حقيقة، رغم كل شيء. على الاقل يبقّى لنا الاستعراض العسكري ليذكّرنا ان ثمن الاستقلال الاول، شهداء واعتقالات وعلم ممهور بتوقيعات رجال ذاك الزمن، وحكومة بشامون والعنزة السوداء في العرض العسكري، طبعا غابت عن العرض لان يبدو ان العناد اندثر هذه الايام وهي كانت رمز العناد… وكل تلك المشهدية الضرورية لانعاش الكبرياء.
نحن عشنا لحظات مجد نادرة، عندما تراءى لنا اننا حققنا الاستقلال الثاني، كنا جزءاً اساسياً من الصورة ووقفنا الى منصّة شرف عالية جدا لم يقف اليها الا الذي يشبهنا، لكن من خرج من ابواب الحدود عاد ودخل من نوافذ العملاء، وما لم يفعله بعسكره الجرار حين كان يستبيح قلب لبنان فعلوه عنه بعمالتهم الجرارة وهو ما زال يمسك بالريموت كونترول.
طيب لن نوغل بالكلام السوداوي، هي مناسبة أجدها رائعة، والاحتفال بها هو الجميل، على الاقل نعرف ان ما زال لدينا جيشا منظما موجها لخدمة ارضه، نقوى بسلاحه ويقوى بنا ولا بأس بان تجنّ فينا مشاعر وطنية من وقت لاخر عابرة للدقائق، ولو عبر عرض عسكري عابر في وسط بيروت، لكنه كاف لتعبر فينا صورة وطن لا يحتاج الا لتطهير المنصة، يومها سيكون الاستقلال…

كلامِك صح 100 / 100
انه الاستقلال الحقيقي