
دم، دمار، تعنيف، تعذيب وإعصار من المآسي يجتاح كل فرد منا يومياً… يشلّع فينا الحس الانساني… يغرق نظرنا في مستنقع الموت من العراق الى سوريا ومصر ووطننا لبنان… يستبيح آذاننا بأصوات الحقد المتجسد تفجيراً هنا وتكفيراً هناك… عواصفه تغلب عواطفنا ومشاعرنا تدمن مشاهده…
يدوي إنفجار. نهرع الى الشاشات. نتسمّر أمامها بحثا عن الصور الاكثر دموية. نحزن، نغضب، ثم نغرق في التحاليل والقراءات: من الفاعل؟ اين الرد؟ ما التداعيات؟ ونعود الى يومياتنا…
يثار ملف النازحين من سوريا الى لبنان. بعضنا يتعاطى بعنصرية ويطالب بتطهيرهم اسوة بما إقترفت نازية هتلر باليهود. وبعضنا الاخر يتعاطف نظرياً ويتصدى للفريق الاخر كلامياً… ثم نرجع الى همومنا الآنية اليومية، من زحمة السير الى إنقطاع الماء والكهرباء، وسوء خدمات الاتصالات والانترنت، الى الضائقة الاقتصادية، وإنسداد الافق…
هذا الوقع يكاد يحولنا الى اصنام من لحم ودم، ولكن لا دم ولا لحم ولا اشلاء تهزها… فبعدما كان يقال سابقاً “بعيد عن العين، بعيد عن القلب”، اصبح في زمن العولمة وإمبراطورية التواصل الاجتماعي الالكتروني، كل شيء قريب من العين، ولكن ما دام بعيداً عنا بعيداً من القلب…
ما يدفعني الى هذا الكلام، الشعور الذي إجتاحني حين كنت في جونية، وإذا بسيدة خمسينية متشحة بالسواد من رأسها الى أخمص قدميها، تسألنا حق الكلام… توقعنا ان تطلب مالاً او مأوى أو ربما عملاً أو ملبساً، ولكن بحروف مرهفة وغصة قاتلة لم تطلب سوى رغيف خبز… نعم رغيف خبز، لها ولأطفال اربعة بعهدتها بعدما هربت وإياهم من غوطة دمشق أو بالأحرى “غوطة الكيماوي”… فقط رغيف خبز…
للحظة، توقف فيّ الزمن… صعقت ونسيت لساني… أيعقل!!! إنسان يصارع الجوع، وأنا سائر كباقي الجموع في مجتمعي، اعد الايام وأتلهى بالكلام… لم أجرؤ أن انظر في عينيها لأسألها المغفرة عن تقصيري في التصدي لإنتهاك كرامتها الانسانية… أدركت كما ان روتين الحياة سرقني من رقيها… الرقي الذي يتجسد بإحترام الانسان، أي إنسان، وصون كرامته وغمره بفائض الحب…
لا أدعي أن بإمكاننا معالجة ملف مأساة النازحين بشكل جذري- خصوصاً ان طرح إقامة مخيمات موقّتة لهم في المناطق الحدودية لحصرهم وتسهيل التعاطي معهم الذي دعت اليه “القوات اللبنانية” وبعض الاطراف جوبه بجملة مزايدات وحملة التخوين – ولكننا اليوم وأمام هذه القنبلة الديمغرافية الموقوتة، واما صاعق الجوع الذي قد يجعل من الانسان في اي زمان ومكان مشروع مجرم، مدعوون اولاً الى إبعاد هذا الملف عن البازارات السياسية والمزايدات الشعبوية وإعطائه الاولوية كدولة وأطراف سياسية وجمعيات مدنية واهلية، ومدعوون الى الكف عن إهانتهم بكرامتهم وعن اذلالهم بأحاديثنا اليومية، فلننظر اليهم بعين المحبة ولنمد لهم يد العون… فلنطلق العنان للإنسان فينا، فعار علينا ان يوجد من حولنا من يبحث عن رغيف…
السيد جورج، أعجبني أسلوب كتابتك وروح أدبك ورفع أخلاقك