“صلاح أمرك للأخلاق مرجعه
فقوم النفس بالأخلاق تستقم
والنفس من خيرها في خير عافية
والنفس من شرها في مرتع وخم”
(أحمد شوقي)
“كانت فيها حديقة كبرى ملأى بأشجار الفاكهة، وفيها قصور وجداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، وبنات جميلات يغنين ويعزفن ويرقصن، فيوهم شيخ الجبل أتباعه بأنها الجنة. لقد كان ممنوعاً على أي فرد دخولها غير المنذورين للانضمام للجماعة.
كان شيخ الجبل يدخل مجموعات المتدرجين إلى القلعة، ثم يخدرهم حتى يناموا، ثم كانوا يحملون إلى الحديقة فيظنون أنهم يزورون الجنة فيُشبعون شهواتهم إلى أن يتم تخديرهم ثانية. بعد ذلك يخرجون من الحديقة ويرسلهم شيخ الجبل في مهماتهم الانتحارية مع وعد بالعودة إلى تلك الجنةّ”!.
كان ذلك في القرن الحادي عشر، وقد استعصت عصابة الحشاشين على كل الدول التي أحاطتها إلى أن اجتاحها هولاكو سنة 1256.
قصة ماركو بولو كانت على الأرجح من عالم الخيال، فلم يزر هو قلعة “الآه، موت” أبداً، ولا يوجد أي تأكيد لاستعمال طائفة حسن الصباح الحشيشة، ولا يعرف بالضبط لماذا سموا بالحشاشين وقد تفرنست الكلمة لاحقاً مع الصليبيين وصارت “Assassins” وتعني القتلة. ما هو مؤكد هو أنهم تركوا وراءهم الرعب والخوف طوال تواجدهم.
في القرن العشرين قصة أكثر توثيقاً، فهي مسجلة على شريط فيديو كما يلي:
“يركب كما قلت شاحنته ويدخل قلاع العدو ليفجر نفسه ويستشهد، يدخل مطمئن القلب، مبتسماً سعيداً لأنه سينتقل. الموت في عقيدتنا ليس فناءً وليس نهاية شيء، وإنما هو بداية حياة حقيقية. تماماً لو كان هذا الشخص في داخل حمام السونا، وبعد ساعات عدة هو عطشان جداً ومتعب جداً ويشعر بالحر الشديد، وقيل له إذا فتحت الباب ستدخل إلى غرفة ناعمة هادئة، الكوكتيل ينتظرك والكلمة الطيبة والموسيقى الكلاسيكية. سيفتح الباب ويدخل بكل سعادة، لا يشعر أن ما تركه غالٍ، بل يشعر أن ما هو قادم عليه أغلى بكثير. لا استطيع أن أجد مثالاً آخر حتى أوضح هذه الفكرة”.
هذا الكلام هو لحسن نصر الله، وهو على عكس قصة ماركو بولو عن حسن الصباح، ليس من صنع الخيال، ولا أحد يعلم اليوم كم من الانتحاريين اقتنع بوعد نصر الله، ولكنه من المؤكد أنه لم يعد أحد منهم ليخبرنا إن كان وعده صادقاً.
اليوم، من المنطقي أن نصر الله، أو أحد معاونيه يعيدون الحديث نفسه على مسمع آلاف الشبان الذين يرسلونهم إلى المذبحة في سوريا. وأظن أن حديثاً مماثلاً ردده أسامة بن لادن عند تلاوته آخر الوصايا على من دمروا البرجين، وكذلك فعل الزرقاوي في حفلات الجنون العراقية، وهكذا يفعل الظواهري أو غيرهم من المغررين بشبان يافعين، غافلين أو يائسين فيما هم مختبئون في قلعتهم أو دهليزهم أو مغارتهم، ويكونون يتمتعون غالباً في حياتهم المديدة في الحياة الدنيا بكل ما يعدون ضحاياهم به من مباهج الآخرة.
كلهم بالمحصلة أبناء مدرسة واحدة.
أيها الناس اتقوا ما تأمنوا به. انكم تغفلون عن جهلٍ أو عمداً، الدوافع التي انطلق منها المقاومون للدفاع عن أرضهم وشعبهم بوجه العدو الإسرائيلي، محاولةً التلميح إلى تشابه في العقيدة الدينية بين المقاومين والانتحاريين. وتناست أنّ الهدف المعلن لعمليّات المقاومة الإسلاميّة مثلاً، كان دوماً تحرير الأرض من الاحتلال.. وتناست أنّ شهداء وشهيدات مثل سناء محيدلي، ووجدي الصايغ، وابتسام حرب، ولولا عبود أتوا من طوائف مختلفة، ونفّذوا عملياتهم البطولية لتحرير أرضهم، وليس طمعاً بلقاء حور العين، ولا تنفيذاً لواجب «جهاديّ» بالقضاء على «الكفّار».