استحوذ اتفاق جنيف النووي بين ايران والولايات المتحدة الأميركية على اهمية كبرى في الأروقة السياسية الدولية والإقليمية لما حمله من قرارات اعتبرت غاية في الاهمية وعلى رأسها تخلّي ايران بشكل واضح وصريح عن برنامج عملت على انضاجه لفترة تزيد عن اربعة وعشرين عاماً ذاق خلالها الشعب مرارة الجوع والفقر، بسبب العقوبات الدولية التي فُرضت عليها نتيجة تعنتها في ايصال برنامجها النووي الى بر الامان بأقل أضرار ممكنة.
الإتفاق بحد ذاته هو هزيمة فعليّة لإيران وحلفائها في المنطقة وهي أكملت بذلك مشهد الهزيمة الذي كان رسمه الرئيس السوري بشار الأسد يوم أُجبر على تسليم سلاحه الكيميائي بعد مجزرة الغوطة. هذا ما عبّر عنه الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون لـ”المستقبل”، لكن السؤال الأبرز يكمن في مدى التزام ايران ببنود هذا الاتفاق خصوصاً ان هناك جناحين اساسيين داخليين احدهما قرر اعتماد سياسة الانفتاح على الغرب والمحيط بزعامة الرئيس الجديد حسن روحاني، والآخر ما زال متمسكاً بالمشروع النووي وبقوة “الحرس الثوري” العسكرية بزعامة “الولي الفقيه”.
يقول بيضون ” ان الذي تغيّر في السياسة الايرانية، وهذا ما بدا واضحاً بعد تخليها عن برنامجها النووي، هو ان الرئيس الاميركي باراك اوباما صنع انتصارا كبيرا بواسطة العقوبات رغم المحاولات التي قامت بها اسرائيل لجر اوباما الى حرب مع ايران، وهو أكد للجميع أنه يستطيع ان يحصل من خلال العقوبات على اكثر بكثير مما قد يحصل عليه في الحرب، فالحرب يمكن ان تؤخر المشروع النووي لسنوات لكن العقوبات اثبتت انها أنهت المشروع النووي، إذاً فالمنتصر الاول هو الرئيس الاميركي الذي اثبت وجهة نظره من خلال العقوبات وهذا معناه ان العقوبات اعطت نتيجة خصوصاً ان ايران وصلت الى شفير الانهيار الاقتصادي والافلاس ولم تعد تمتلك في الفترة الاخيرة عملة صعبة تكفي لشراء المواد الغذائية، وكل من زار ايران خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة اكتشف مدى معاناة الشعب الايراني من جرّاء الانهيار الاقتصادي”.
ويتابع: كل ما يحصل في ايران اليوم يُهيئ لثورة شعبية، والخامنئي لم يكن امامه سوى حليّن، اما ان يُكمل بالمشروع النووي وبالتالي عليه ان يتحمل ما ينتج عنه من عزلة دولية وانهيار معيشي، واما أن يواجه ثورة شعبية تطيح به وبالنظام القائم، حتى الرئيس روحاني قال في خطابه الاخير ان “العقوبات تؤذي الشعب الايراني وليس المسؤولين”، وهذا كلام موجه للخامنئي قبل الغرب خصوصاً انه ألمح في كلامه الى امكانية قيام ثورة شعبية قد تطيح بكل هذا النظام. ما فعلته ايران اليوم يُشبه ما فعله الأسد من قبل، فهذا الاخير ربح لنظامه وقتا اضافياً من وراء تسليم برنامجه الكيميائي واليوم تربح ايران سنة ونصف السنة بحسب الاتفاقية لتقوم بتفكيك برنامجها النووي”.
وبحسب بيضون ان النظام الايراني “اشترى وقتاً اضافياً لكي يخفف من آثار الحصار الاقتصادي يريح من خلاله شعبه عبر تأمين المواد الغذائية وغيرها من الامور الاساسية وليوقف انهيار عملته، ويبدو ان هناك قراراً ايرانياً قضى بتوقيف البرنامج النووي، لكن هل يتمكن من اخذ على عاتقه هذا التعهد من تنفيذه في ظل صراع الاجنحة القائم في البلاد؟ فإذا انتصر الجناح المعارض، اي الحرس الثوري، فقد يتوقف الاتفاق لأنه يعتبر ان البرنامج النووي هو المفتاح الذي يمكّنه من بسط نفوذه الاقليمي والدولي، وهو بالنسبة اليه تعبير عن كبريائه القومي، وهنا يستوجب اقرارا من الجميع ان النظام الايراني خسر الورقة التي دفع الشعب الايراني ثمنها مليارات الدولارات وعزلة وخنقة، ما يعني انه خلال اربعة وعشرين عاما كانت هناك سياسة فاشلة والمسؤول الاساسي عنها هو “الولي الفقيه”.
وعن الرابط بين جنيف النووي وجنيف 2 يلفت بيضون الى أن “ايران كانت تعتمد في استراتيجيتها على امرين اساسيين، الاول هو البرنامج النووي لكي تؤمن لنفسها المقعد الاول في مصاف الدول وهذا المشروع قد انهار، والثاني هو اتكالها على اذرعها في العراق واليمن وسوريا ولبنان، والنظام السوري هو احد هذه الأذرع التي تضعف كلياً، والفكر الايراني كان قائماً على نظرية ان القتال يمكن ان يحمي نظام الاسد لكنها انتهت وهذا ما نراه من خلال استعجالهم لعقد مؤتمر جنيف 2 كونهم يأملون بعودة الأسد كشريك اساسي في الحل السوري، لكنهم أدركوا أن نظرة الاميركي والروسي ومعهما الاوروبي تقول ان الاسد سينتهي دوره قريباً لكن يبقى الخلاف حول المدة الزمنية، فمنهم من يقول مع بدء المرحلة الانتقالية ومنهم من يقول بعدها”.
وعلى عكس ما يتحدث به البعض عن انتصار ايراني في مؤتمر جنيف النووي، يؤكد بيضون أن ” ايران بلد مهزوم والخطير في الامر انها انهزمت من دون ضربة عسكرية وهناك نتائج ستترتب على خلفية الهزيمة هذه، منها التخلي عن البرنامج النووي والتخلي عن نظام الاسد وعن الاذرع الميليشيوية التي زرعها في المنطقة، وانا اقول ان الاتفاق الاميركي – الايراني في حال جرى تنفيذه سيُحيل “حزب الله” على التقاعد مع “الحرس الثوري الايراني” وهذا الامر اشار إليه روحاني عندما قال للحرس الثوري “ممنوع عليكم من الآن وصاعداً ان تتدخلوا في السياسة” وأنا انصح قيادات “حزب الله” ان يتعلموا الزراعة علّهم يحلّون مشكلة البقاع الزراعية، لأنهم في نهاية المطاف سوف يُذعنون للقرار اللبناني الرسمي وهذا سيُترجم من خلال تسليم الحزب سلاحه للدولة اللبنانية لينخرط بعدها في عمل المؤسسات كحزب سياسي فقط لأن استمراره كميليشيا لن يستمر”.
وبرأي بيضون ان “الاميركي والروسي متفقان على امر اساسي وهو ممنوع على ايران ان تحصل على قنبلة نووية، والمنتصر الحقيقي في هذا المجال او الاتفاق هو اسرائيل التي تمكنت من فرض وجهة نظرها على المجتمع الدولي، التي تمنع بموجبها ايران من الحصول على قنبلة الحلم، خصوصاً أن الاميركي لم تكن لديه خشية من البرنامج النووي الايراني، فهذه باكستان وكوريا الشمالية تمتلك كل منهما قنبلة نووية، وهناك حديث لوزير خارجية اميركا السابق كولن باول يقول ان “اميركا تستطيع ان تتعايش مع ايران النووية”، وهنا يبرز مدى النجاح الاسرائيلي في جر اميركا الى توقيف البرنامج الايراني، علماً أن الحدث الاساسي سوف ينتقل في المرحلة المقبلة الى داخل ايران، فهناك جناحان احدهما يدعو الى رفع العقوبات وانهاء البرنامج النووي لانه لم يجلب لبلادهم سوى الويلات والمصائب، والآخر اسمه الحرس الثوري يقوده “الولي الفقيه” يريد الابقاء على البرنامج، والحقيقة ان الاميركي اعطى روحاني فرصة للحصول على تأييد ودعم شعبي هام، فهل يتمكن من الانتصار على “الحرس الثوري”؟
وعن زيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري لطهران، يرى بيضون ان الزيارة “لا اهمية لها على الاطلاق”، وبحسب وصفه، فإن بري “يُصبح شاعراً لبلاط كل دولة يزورها”، لكن “هذا الشاعر”، يقول بيضون ” لم يتجرأ على اثارة موضوع تورط “حزب الله” في سوريا وانعكاسه على الطائفة الشيعية، كما انه لا يمتلك شجاعة الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي كان يقول للإيرانيين “أنتم تورطون الشيعة بأعباء ليسوا قادرين على تحملها، وأن الشيعة ليست لديهم مشاريع خاصة”. ويضيف “بري لا يمتلك هذه الشجاعة حتى انه لم يتجرأ على اثارة موضوع تغييب الإمام السيد موسى الصدر مع الخامنئي، فبحثه مع الامين العام لمجلس الامن القومي الايراني علي شمخاني، وهنا يكمن السؤال التالي: ما هي علاقة شمخاني بهذا الملف ولماذا لم يُثر هذا الموضوع في ليبيا؟ فهل اختلط الامر على بري حتى ظن ان الصدر مخطوف في ايران؟ الزيارة باختصار عبارة عن تمسيح جوخ مجاني لنظام متهالك”.
وعما بات يُعرف بمعركة “القلمون” يُنهي بيضون حديثه بالتشديد على أن “هناك وهماً لدى ايران والاسد ومعهما “حزب الله”، وهو انهم يستطيعون اقامة دولة علوية شيعية على المتوسط، هذا وهم لأن هذا الأمر يعني ان حرباً لمئات السنين سوف تنشب مع المحيط، والتجارب التاريخية تؤكد ان الحروب المذهبية والدينية لا تنتهي. ولذلك نحن كلبنانيين مسلمين ومسيحيين نراهن على الاعتدال السني ان يُعيد المنطقة الى عروبتها، ايران اخذت المنطقة الى المذهبية وانا اعتقد ان الدور السعودي – المصري وبمشاركة المعارضة السورية المعتدلة والعلمانية إضافة الى دور تيار “المستقبل” في لبنان يعّول عليهم لكي يُعيدوا المنطقة الى عروبتها ويخرجوها من المأزق المذهبي الذي وضعتها فيه ايران وعملاؤها”.
ان بعض الاوارق اوراق انها ليست باتفاقات