في بيتنا مطران ، يمطر المسيحيين بكل ما يعمق شروخهم ، ويستمطر عليهم كل ما يفاقم شقاقهم !
في بيتنا مطران ، جلس على كرسي صيدا للموارنة ، وقد وجد نفسه فجأة بطلاً يتحدى المرآة، ويستعد للشهادة في معركة يخوضها مع السراب ، ضارباً سيفه في الهواء ، كمن يقطع الماء هباء .
في بيتنا مطران ، اسمه الياس نصار ، شغله الشاغل ، بدلاً من التأمل في المصلوب ، المسيح المصلوب ، الوطن المصلوب ، الرعية المصلوبة ، شغله الشاغل إطلاق أحكام الصلب على سمير جعجع والقوات اللبنانية .
في الأساس ، لم يرمه أحد بوردة .
لم يطأ أحد على طرف ثوبه الأرجواني .
ولم يخدش أحد حياءه أو يزعج خاطرغبرة رضاه .
لكنه ، وبوحي من أساليب عهد الوصاية والوشاية والوشوشات والوشويشات والأجهزة العفيفة الشريفة النظيفة ، رأى أن شن الحملات الشعواء على سمير جعجع هو من صلب رسالته ، وأن التجني والافتراء والتحريض هي من شروط كهنوته .
في أي حال ، لسنا في معرض فتح ملفات وكشف عورات وتناول موبقات ، والله بالتأكيد هو الأعلم ،
ولكن ثمة أسئلة بسيطة نطرحها :
هل يزعج صاحبَ السيادة أن العديد من أبناء رعيته يحبون سمير جعجع والقوات اللبنانية ، ويريد معاملتهم كالخراف الضالة ، وهم يصلّون له مستذكرين قول يسوع لبطرس : أتحبني ؟ إرع خرافي .
هل يزعج صاحبَ السيادة أن سمير جعجع هو الرجل الذي يتطلع إليه المسيحيون عند كل مفصل وخطر وتحدٍّ ؟
هل يزعج صاحبَ السيادة أن سمير جعجع نجح في بناء حزب ريادي ، بينما سواه نجح في تكريس مفهموم العائلة والحاشية والعشيرة ؟
هل يزعج صاحبَ السيادة أن القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع هي التي لا تحيد عن منطق الدولة ، بينما سواها يؤازر الدويلة والسلاح غير الشرعي ؟
خذنا بحلمك يا سيّد ، وامسك أعصابك وبالله عليك لا تنفجر . تكلم وأبدع ، فالكلام لا ميرة عليه . ولكن تذكّر أن الله هو صاحب الحساب الأخير وليس حزبه .
بئس هذا الزمن . في عصر نصرااله صفير ، كان للكلمة وقع وحرمة وهيبة . فهل باتت الكنيسة اليوم متراساً يرتفع بحجارة الحقد ، وهل يدرك الكرسي الرسولي أن في صيدون ، التي زارها السيد المسيح يوما وشفى ابنة امرأة كنعانية كان فيها شيطان ، من يحترف شيطنة آدميين يحملون اسم السيد المسيح . والسلام .
فصل ثان .
فقدت أسرة القلم والإعلام والصحافة ، وأسرة لبنان الحر عميد محرّريها الناقد والبحاثة سمير نصر الذي أقيمت الصلاة لراحة نفسه اليوم في عين الرمانة ليدفن في مسقط رأسه بلدة صبّاح في قضاء جزين .
وإليه الرسالة التالية :
عميدنا وكبيرنا ومعلمنا الأستاذ سمير .
صباحُ صبّاحَ في غفوك مساءُ الحيُّ أنت ، وبعدك لنا الرثاءُ
يا سميرَ العمر لا تخشَ جفاءً في الخلد باقٍ ما دامت سماءُ
نحو ربع قرن عشتنا وعشناك وعايشنا معا حروباً ودروباً ، ومحطات قهر وفقر وقمع ومنع وسهد وزهد .
كنت سميرنا الصامت غالباً والصائت نادراً ، لكنك كنت دوماً بليغا وصائباً .
فصمتك من صلب الكلمة الذي كان في البدء ،
وصوتك من عمق الصمت المدوّي .
من صلب الكلمة هو كتابك – التحفة الذي جمعت فيه روائع مقالاتك في ملحق النهار على مدى أكثر من عشرة أعوام . وقد تسنّى لنا أن نكرمك كإذاعة ، وبسعي من الزميلة إيلديكو إيليا قمير في ندوة حاشدة في نادي الصحافة بحضور الأهل والأحباء وأخوتك وأخواتك ، بل أبنائك وبناتك ، وأنت العازب الذي اقترن بالكلمة ، ونثر ورود حبه لكل من قصدها لضُمّة أو شمّة . وروداً بلا أشواك ، حمراً كحيائك الراقي ، نضرة كروحك المرحة السمحة، عطرة كضوع أدبك الانيق الرقيق .
يا عميدنا الغالي
سأذكر دوماً خلال التكريم ، صوتك الخافت المتهدّج ، وانحناء رأسك الذي أثقله المرض ، وارتجاف يدك وأنت تسطّر تقديم الكتاب ، معبراً عن مشاعرك وإخلاصك لي .
عفوك يا أستاذ سمير .
نحن المخلصون لك ، عندما نتمسك بالخلق والأدب والمحبة والحياء .
نحن المخلصون لك ، عندما نثبت في الحرية والكلمة السواء .
نحن المخلصون لك عندما ندرك أن الحياء لا يلغي الشجاعة ، وأن البطولة هي أيضاً في الصبر والصمت والصمود في وجه مكابد الحياة وشدائدها ومصائدها .
اليوم اليوم ، ندرك أن شيئاً من لبنان الحر سيذهب معك ، وأن بعضاً من ذواتنا ستسرقه إلى أفيائك .
أستاذ سمير
كثيراً ما كنا نخشى عليك من وحدتك
اليوم ، ومن دونك ، بتنا نخشى على أنفسنا .
نعترف أننا مقصّرون معك ، ولكننا نعدك ، سمير نصر ، ونحن في زمن الخيبة والخبث والخبل ، أن النصر آت للبنان الحر والسيد والمتنوع والمتنور ، وللحق والحقيقة . والسلام
هذا مش اب الياس نصار بل إبليس نصار.
هذا احد حراس جهنم وجلس على يمين ابيه إبليس عون اللعين.