#adsense

“اللواء”: عملية “النتف” بين العريضي والصفدي بمثابة إخبار يفرض ملاحقة قضائية جدّية

حجم الخط

كتب حسين زلغوط في صحيفة “اللواء”:

أظهرت عملية «النتف» التي تناقلتها مختلف وسائل الإعلام بين وزيرين بارزين من حيث الحقائب التي يتولياها في الحكومة، مدى الاهتراء الذي بلغته الدولة التي باتت من دون سقف تلعب فيها الرياح العاتية على كل المستويات من كل حدب وصوب.

ولعلّ الاتهامات المتبادلة حول الهدر والسرقة والفساد تفرض على المعنيين بشؤون البلاد والعباد تحريك القضاء في اتجاه وضع يده على كل ما أُثير بين وزيري الأشغال والمال والذهاب بالتحقيق حول ما قيل حتى النهاية، لا أن يكون مصير هذا الأمر مصير الكثير من الملفات التي طويت إن بفعل الصفقات المتبادلة أو بفعل التدخلات السياسية والمناخات المذهبية التي غالباً ما تشكّل مظلة واقية لأي مرتكب في هذه الدولة.

إن القول أن ما جرى بين الوزيرين محمد الصفدي وغازي العريضي يأتي في سياق الحملات السياسية، لا يعفي القضاء من التحرّك وإجراء المقتضى للوصول إلى خلاصة يُعلنها للرأي العام الذي هاله ما سمعه على لسان مسؤولي الصف الأول في الدولة، سيّما وأن الملفات و الوثائق التي أبرزها الجانبان تشكّل إخباراً يحتّم على الجسم القضائي التحرّك للتحقق من حقيقة ما تضمنته هذه الملفات والوثائق التي تحمل في طياتها مئات ألوف الدولارات المنهوبة من خزينة الدولة، أضف إلى ذلك التقصير الذي أدى الى تعرّض الكثير من المناطق والمواطنين لأضرار لا طاقة لهم على تحمّلها.

صحيح أن السجال الذي إندلع بين الرجلين جاء على خلفية الأضرار التي سبّبتها الأمطار التي حصلت الأسبوع الفائت حيث علق المواطنون في الطرقات لساعات طويلة ناهيك عن الأضرار المادية التي حصلت، غير أن هذا السجال كشف المستور عن الكثير من الفضائح الموجودة وفي مقدّمها الفضائح السياسية الناجمة عن تحوّل هذه الحكومة من حكومة تصريف أعمال إلى حكومة مماحكات واستقالة عن القيام بأقل الواجبات، وهذا يعني أننا أمام حالة جديدة من الاهتراء في ما تبقى من مفاصل ومرافق الدولة، وهو ما يجعل الرأي العام يصرخ بأعلى صوته سائلاً عن موقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكل مسؤول في هذه الدولة عن رأيه بـ «المبارزة الفضائحية» التي حصلت، لأن عدم الاكتراث بهذا الأمر بعث الشك في نفوس المواطنين من أن يكون هناك شراكة بين المرتكبين وبين من يُفترض بهم أن يكونوا أمناء على المال العام.

قد يأخذ البعض استقالة الحكومة وعدم اجتماع مجلس الوزراء كتبرير لعدم ملاحقة هذه القضية، غير أن هناك وفق مراجع قضائية أبواب أخرى يمكن ولوجها لوضع اليد على هذا الملف ومنها التفتيش المالي الذي عليه إجراء تحقيق والتحقّق من الوزارات المعنية من الاتهامات التي استخدمت في الاشتباك بين وزارتي المال والأشغال، إضافة إلى مجلس النواب الذي من أولى مهامه مراقبة عمل الحكومة.

إن غضّ النظر على هذه القضية الخطيرة لا شك أنه يشجع المرتكبين على المزيد من الارتكابات في ما خص سرقة المال العام والهدر، لا بل إنه يؤدي إلى تحوّل الدولة «حارة كل مين إيدو إلو»، وهو ما يعني سقوط النظام في مستنقع المحسوبيات والمحاصصات وبالتالي لا يعود هناك من معنى للدولة ككيان لا بل إنها تتحوّل إلى شريعة الغاب.

ورُبّ سائل هل يُعقل أن يُلقى القبض على شاب يقود دراجة نارية لعدم قدرته على شراء سيارة بتهمة أنه لا يضع خوذة على رأسه أو أنه تأخر في دفع الميكانيك، وينتهي به الأمر إما إلى التوقيف في النظارة أو دفع غرامات غالباً لا يكون له طاقة على دفعها فيلجأ إلى ترك دراجته النارية في «البورة» المخصصة لذلك وتباع بعد ذلك في المزاد العلني بعد أن يُسطّر بصاحبها محضر الضبط، وفي مقابل ذلك يتم التعامل مع فضائح مالية تقدّر بملايين الدولارات على أنه حدث عادي ويضعه البعض في إطار الاشتباكات السياسية من دون أن يفتح على الأقل محضر تحقيق والتحقّق من حقيقة الاتهامات المتبادلة التي تدور رحاها حول المال العام الواقع تحت عجز لم يعد للبنان القدرة على تحمّله.

إن التعامل مع هذه الواقعة بخفّة ومن منطلق كيد سياسي يضع هيبة الدولة في «الدق»، لا بل أنه يزيد منسوب اليأس الذي يسيطر على شريحة كبيرة من المواطنين الذين يصطفّون أمام الكثير من السفارات الأجنبية طلباً للهجرة بعد أن ضاق بهم وطنهم وأصبحوا يشعرون أنهم فيه غرباء.

وأمام هذا المشهد لا بد من استنفار عام للإحاطة بالكثير من الملفات والوقائع التي من شأنها أن تُسقط ما تبقى من الهيكل العظمي للدولة بفعل الفراغ القاتل على كافة المستويات، فهناك فراغ في العمل التنفيذي، وفراغ في العمل التشريعي، وفراغ حكومي، وآخر أمني، إلى جانب الفراغ الذي بدأ يتسلّل الى رئاسة الجمهورية إلى ما هنالك من فراغات تشكل خطراً حقيقياً على البلد.

إن الرأي العام يُناشد المسؤولين من رأس الهرم وضع حد لهذا الفلتان السياسي الحاصل، ووضع اليد على مكامن الخلل، وتسمية الأمور بأسمائها من خلال كشف الغطاء عن أي مرتكب مهما كان حجمه السياسي وانتمائه الطائفي والمذهبي، لأن الاستمرار بهذه المعزوفة البغيضة يعني أننا نعمل عن سابق إصرار وترصّد على انزلاق البلد ومن فيه إلى الهاوية.

ويبقى السؤال متى يستفيق هذا المواطن المغلوب على أمره وينتفض بوجه كل الذين يعيثون فساداً في هذا البلد، بدلاً من الاختباء وراء أصبع الطائفية والمذهبية الذي بات يتوجب بتره إذا كنا فعلاً نريد أن نعيش تحت سقف واحد بأمان واطمئنان.

المصدر:
اللواء

One response to ““اللواء”: عملية “النتف” بين العريضي والصفدي بمثابة إخبار يفرض ملاحقة قضائية جدّية”

  1. والله مقال رائع اذا القاده ما عم يقدرو يعملو شيء لاذم على كل لبناني حر ينزل على الشارع والاعتصام وتشكيل ضغط لتشكيل الحكومه

خبر عاجل