اول الثلوج تنهمر ويصبح كل شيء أبيض حلو. هي اعجوبة الطبيعة. دائما تأخذنا المفاجأة وان كنا نعيشها كل عام، سنة بعد سنة، كانون بعد كانون عندما يحاصرنا الابيض بدهشة الجمال الذي لا يد لنا فيه على الاطلاق، لذلك هو في غاية الجمال والروعة، هو انتاج ربّاني خالص لا يسمح لنا التدخّل فيه كي لا نشوهه. نغرق بنعمة الثلج، نشكر السماء، هي غلّة مياه لارض عطشى، لكل شيء عطشى تشتاق، اول الشوق لحنان السماء وليس آخره لرحمتها وما بينهما يضيع الحب في المسافة والمتاهة. قد لا يحتمل الثلج كل هذه الفلسفة، صحيح، اذ حسبنا ان نجلس الى مائدة فيها من كل ما نحب ونشتهي للايام الباردة، برّا عم تِرقَع بلغة ابنة الضيعة، وفي الداخل حدّ الصوبيا، يفقفق الحطب وتتقلب البطاطا المشوية وتتراقص الكستنا، قطع اللحمة تسقسق، البصل المشوي سيّد المذاق، وقبل كل هؤلاء كأس النبيذ الاحمر يرمق مغارة مضاءة في زاوية الغرفة، ويدندن لحن الاستمتاع اللذيذ برفقة اصحاب واحباء، نبيذ من خمر المسيح يجول فوق شفاه تغزل سعادة اللحظة، حقيقة هي سعادة لا تضاهى، كل هذا أجمل من ان يوصف رغم بساطة التفاصيل، لكن نعرف ان السعادة الناعمة هي في مجموعة التفاصيل الصغيرة التي نتشاركها مع من نحب، فكيف اذا جاء الضيف الابيض ليزيد من دفء اللقاء؟
ولكن…ثمة ما ينغّص، ثمة ما يجرح، كل تلك الصورة الجميلة عن وطن هو بالاساس أول موطن في محيطه للابيض اللامتناهي، ثمة ما يخدشها، فما يجرح هو ما يجري في خيم العذاب تلك التي تزنّر حدود الوطن شمالا وبقاعا وجبلا وهناك وهنالك. اللاجئون السوريون. ما يفرحنا في بيوتنا يتعسهم في ملجأ فقرهم وتشردهم. في الوطن الغارق بالابيض، أطفال تموت بردا، تطقطق اسنانها فوق بعضها مع جوع ينخر البطن الصغير الطري العود، وصقيع حوّل بشرا الى أجسام مرقّمة بحسب الدرجات المئوية المتدنية للصقيع الذي ينخر عظامها. خيم أثقلها الثلج فانهارت على من فيها، لا تدفئة تحرّك دماءهم، لا سقفا يأوي تشرّدهم، لا دواء يشفي موقتا بعضا من أمراضهم، هذا ليس القرن الواحد والعشرين، مستحيل، ولا هو عصر الانترنيت والصورة والـ whatsapp، ولا هي القرون الوسطى حتى، هذا زمن التخلّف البشري عندما يسمح لنفسه أحد، يقال انه انسان، محسوب بالخطأ على البشرية، ويجعل من الاطفال مجرمين بالقوة، ومن النساء مطلوبين بالاكراه، ومن الرجال كفار ارهابيين، فقط لانهم طالبوا بما حلله لهم الرب عندما خلقوا، الحرية… حلو الابيض المترامي فوق العيون الرامشة على أمل الحرية والحب الدائم وسكرة اللقاء، لكن الحلا صار نسبيا فكيف تكتمل الصورة وطفل فوق الثلج عاري القدمين، يبحث عن حطبة يشعلها علها تدفىء بعضا من عمره الصغير، ولما وجدها لم يجد عود كبريت…هذا كثير!

وصف أكتر من رائع ،،، لامس قلوبنا يا فيرا …………..
من دون شك دائما وابدا
مرحبا بقدومك انه طهاره الارض