منذ ما يقارب الـ 40 سنة، دخل لبنان في آتون الحروب والصراعات السياسية والفئوية والمذهبية والعقائدية التي سُميت حروب الآخرين في لبنان، ومن ثم أخذت تسميتها الحقيقية، حرب أهلية بتحريض ودعم من الخارج.
المفارقة الكبرى التي توضحت تباعاً بعد نهاية الحرب ومن خلال كل ما كُتب ونُشر من حقائق، ومن خلال الفضائح والاعترافات والادلة على الكثير من الجرائم في تلك الحقبة وحتى يومنا هذا، وخصوصاً البصمات الواضحة التي تطبع الجرائم التي حصلت بعد القرار 1559 في أواخر سنة 2004، كل ذلك يُظهر ومن دون أدنى شك، بأن السوري الذي دخل لبنان، أولاً بغطاء قوات الصاعقة الفلسطينية، ولاحقاً وباعتراف حافظ الأسد بجيشه ومن دون استئذان أحد ( خلال خطاب له من جامعة دمشق عام )1976 ، هو المايسترو الاوحد لكل الجرائم الكبرى التي وقعت في لبنان، والمسؤول الأول والأخير عنها إمّا مباشرة، أو بالواسطة.
هذا إضافة الى السيطرة التامة على مفاصل الدولة اللبنانية من خلال التعيينات في جميع المراكز، وسرقة ونهب مالها بالسيطرة على كل المنابع، من المرفأ الى كل الوزارات والمشاريع والمناقصات، ناهيك عن كمية الهدايا التي كانت تُرسل اليهم على حساب خزينة الدولة من المُستزلمين المُعينين والطامحين لمراكز أكبر.
هذه الحقيقة التي يعرفها جميع اللبنانيين، وبغض النظر عن رأي حلفاء سوريا اليوم الذين شاركوهم السرقة والتسلط واضطهاد المسيحيين وتفريغ الدولة منهم بشكل مُمنهج، نرى بعض من مَن كانوا رأس حربة بمقاومة الاحتلال السوري، ولو صُوَرياً، يستميتون الآن في الدفاع عن هذا النظام المجرم، لا بل يناصرونه ويتعاونون معه بشكل علني وواضح لمساعدته للسيطرة مجدداً على هذا البلد بطريقة أو بأخرى.
ما يُحزن أكثر، أنهم يستهبلون الرأي العام ويوهموه بأن هذا النظام هو مُنقذ وحامي المسيحيين في لبنان كما في سوريا، لدرجة دعوتهم علناً الذهاب الى سوريا للدفاع عن المسيحيين!!
والأنكى، أنهم أسقطوا كل جرائمه وأعطوه صك براءة على كل ما ارتكب. ولم يكتفوا بذلك، بل يريدون منّا أيضاً أن نقدم له اعتذارنا، وعلى الأرجح، طاعتنا، فمن ساواك بنفسه ما ظلمك.
العونيون وجنرالهم يريدوننا أن نبرئ هذا النظام، كما فعلوا هم، وهو المسؤول عن قتل خيرة أبنائنا وتدمير قرانا وتهجير سكانها ودفع البقية للهجرة الى الخارج. هذا النظام الذي خطف وارتكب المجازر ونكًل بالكثيرين وما زال يحتجز المئات من أبنائنا في أقبية سجونه المظلمة والعفنة كوجوه مسؤوليه، هذا النظام الذي ما زال يعمل على إكمال مهمته تخريب لبنان الذي لا يعترف به أصلاً، وهو على شفير الهاوية والنهاية، يريدوننا أن نسامحه، وأكثر، أن ندعمه.
يمكننا أن نختلق الأعذار والتبريرات لسلوكهم هذا إن كانوا نسوا حقاً كل تلك الحقبة، لكن أن يتناسوا ويدوسوا على كرامتهم وكرامة كل مَن ائتمنهم عليها يوماً، فهذه الخيانة الكبرى بحق قضيتهم (حقاً لا زلت لا أعرف ما هي) ومناصريهم وشهدائهم ووطنهم.
في الردّ على الهجمة العونية المستعرة على “القوات اللبنانية”، سنكتفي بأن نكرر ما قاله الشيخ بشير الجميل في احد خطاباته، وهو أبلغ ردّ عليهم وعلى أمثالهم:
“نحنا عمنقاوم مجموعات قلتلو للسوري، أنا بعملك يللي ما نجحت تعملو، ويمكن ما يتجرأو يقاوموني متل ما قاوموك. نحنا مستعدين نقاوم السوري وأي واحد بيتعامل مع السوري، مين ما كان يكون”.
دار الزمن دورته، وكما بالأمس، فالوصول الى قصر بعبدا، يمرّ حتماً بضرب وتحجيم “القوات اللبنانية”.
ما أشبه اليوم بالأمس، قواتٌ مقاوِمة من هالمَيل، ونظام سوري عدو، وخونة وعملاء جبناء، من تاني ميل.
