غالباً ما تستعمل كلمة أسطورة كمرادف لكلمة خرافة، وهي القصة أو الرواية لأحداث أو لمشاهد أو حالات لا تمت إلى الواقع بصلة. ولكن الأسطورة ليست دائماً من نسج الخيال بالكامل، فكثيراً ما تبنى الأساطير على أفراد أو أماكن أو أحداث حقيقية، تضاف إليها بشكل متفاوت خيالات خارقة للطبيعة أو تفاصيل يبالغ في تضخيم حجمها.
أهمية الأساطير أنها تدخل في الذاكرة الشعبية للمجموعات وغالباً ما تتحول إلى موروث اجتماعي عميق التأثير في تصرفات الافراد يتحكم في ردود فعلهم وفي بناء أفكارهم المسبقة وهواجسهم وحتى عداواتهم. ويتحول الكثير من الأساطير إلى قناعات مقدسة قد تكون أساساً لعقائد تصبح يقيناً جماعياً قد تدفع حتى للموت من أجلها!. وغالباً ما تشبع الأساطير برموز تختصر معاني الأسطورة في كلمة أو بضع كلمات أو جملة أو شعائر يمكنها لوحدها أن تتسبب في تفلت المشاعر من دون الحاجة الى تلاوة كل التفاصيل.
من الأساطير المؤسسة للصهيونية رواية ذكرها المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس في كتاب “تاريخ حرب اليهود ضد الرومان”. تقول الأسطورة ان اليعازر بن يائير أحد زعماء المتمردين اليهود (السيكاري) وكانوا من المتطرفين العنيفين، لجأ مع مجموعة من أتباعه إلى قلعة “مسعدة” (مسادا) الحصينة بعد أن خرجوا من القدس (أورشليم) تحت وطأة الهجوم الذي شنه الجيش الروماني عليها لقمع التمرد اليهودي.
استمر اعتصام الجماعة في القلعة لثلاث سنوات إلى أن حوصرت لثلاثة أشهر. تقول القصة ان المحاصرين مع عائلاتهم فضلوا الإنتحار الجماعي على أن يساقوا كأسرى بعد أن تمكن الجيش الروماني من اجتياز تحصينات القلعة. على الرغم من أن الديانة اليهودية تحرم الإنتحار، فقد تحولت الأسطورة غير المثبتة إلى رمز وطني صهيوني ومثال لبطولة الشعب اليهودي في الدفاع عن وطنه.
أصبح شعار “لن تسقط مسادا ثانية” من أهم الشعارات الوطنية بعد تأسيس دولة إسرائيل، ولكنها فقدت أهميتها لاحقاً وتم تجاهلها في التربية اليهودية حتى لا تفهم بأنها تشجع على الانتحار.
لا شك في أن معظم الشعوب والمجموعات لديها قصص مشابهة لأسطورة المسادا، وكثير من علماء الإجتماع يعتبر أن الأساطير الشعبية قد تكون ضرورية لبناء الذاكرة الجماعية ولتثبيت رمزيات وشعارات مقدسة تصبح ضرورية لتماسك الجماعة في مواجهة “الغير”.
لن أدخل هنا في تفصيل الأساطير المؤسسة لمشروع ولاية الفقيه، فلو فعلت لدخلت في تراكمات عمرها من تاريخ انطلاق الإسلام، والبعض يؤكد أنها تعود أيضاً الى تاريخ إنشاء الامبراطورية الفارسية قبل الإسلام بقرون. ولن أدخل في تحليل الرمزيات والشعائر التي تراكمت ودخلت في الوجدان الشعبي واعتمدتها هذه المنظومة لبناء سلطتها التي وصلت إلى حدود القداسة والبعض يعتبرها معصومة. لكن المؤكد هو أن هذه الرمزيات تمكنت من دفع عشرات الآلاف من الأتباع ليلبسوا أكفانهم ويتحولوا إلى كاسحات ألغام أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية.
منذ اليوم الاول لانشاء “حزب الله” في لبنان، أعلن المحازبون اعتناقهم كل الأساطير المؤسسة لمشروع ولاية الفقيه من خلال بيانهم التأسيسي بحيث أكدوا بشكل لا لبس فيه أنهم يتبعون التكليف الشرعي للولي الفقيه في جهادهم وفي حياتهم.
ببساطة، فإن الكل يعلم اليوم أن “حزب الله” هو فيلق من فيالق الحرس الثوري الإيراني فقط، وأن مهمته الأساسية، وربما الوحيدة هي الدفاع عن مركز القيادة وحماية مصالحها والمحافظة على مستعمراتها.
وهذه أيضاً حقيقة راسخة عند القيادات المحلية في لبنان وعند القيادة المركزية في إيران، ولم يعد خافياً أن إيران الولي الفقيه تخوض اليوم معركتها في سوريا بشكل أساسي بميليشيات “حزب الله” كما صرح العديد من القيادات في طهران.
منذ أيام ظهرت معلومات تتحدث عن أن عدد قتلى “حزب الله” في سوريا وصل إلى ألف. لن أدخل هنا في لغة الأرقام، فقد لا يكون الرقم دقيقاً، خصوصاً لأن الخبر جزء من الحرب الإعلامية المتبادلة بين أطراف النزاع. لكن المؤكد هو أن “حزب الله” لن يتوقف عن عملية الإنتحار الجماعي لمحازبيه ولخيرة الشباب اللبناني حتى ولو لم يبق أي منهم على قيد الحياة، وأنا أعتقد أن الوعد الوحيد الصادق لحسن نصر الله هو أنه هو نفسه سيذهب إلى المقتلة في سوريا إذا دعت الحاجة فداءً لمشروع ولاية الفقيه.
المؤكد اليوم أيضاً هو أن إيران الولي الفقيه ستقاتل وتضحي بكل شبان مستعمراتها العقائدية الذين سمنتهم على مدى عقدين ونصف في سبيل الدفاع عن امبراطوريتها وعن أسطورتها.
لكن كل المؤشرات اليوم تؤكد أن أي تسوية قد تحصل في سوريا ستعني حتماً أن هلال الامبراطورية الإيرانية سوف يكسر مما يعني أن “مسادا الولي الفقيه” ما هي إلا عمل يائس من مشروع بائد وأن دماء الشباب اللبناني وتضحياتهم ستتحول إلى مجرد أسطورة إضافية لتمجيد “حكمة وعدالة وكيل صاحب الزمان!” فيما تترك الثكالى والأرامل في لبنان للمجهول.
kl 3aada, maqaal raa2e3 w ta7liil waaq3i ya Dr. 3aloush