#adsense

«وعلى الأرض السلام»

حجم الخط
أيُّ سلامٍ لأيّ أرضٍ، فالمُقتتلون كُثُر والقاتلون كُثر، والمقتولونَ كُثُر على هذا الكوكب الأرضيُّ المترامي، لم يبقَ حاكمٌ إلا وقتل شعبه، ولم يبقَ أديانٌ إلا وتذابح تابعوها، ولم تبقَ دينٌ إلا وقتل أبناؤه بعضهم بعضاً، ولم تبقَ مذاهب إلا وتنازعت فيما بينها، وطوائف إلا سعت لتهلك بعضها، ولم يبقَ شعبٌ إلا وتقاتل فيما بينه، ولم يبقَ حاكمٌ إلا وقتل شعبه، ولم تبقَ قبيلة إلا وحاربت أختها، ضاقتِ الأرضُ بالسلام، وعزّ السرور فلا تجدُ إلا قلوباً مسّ الحزنُ شغافها، المجدُ لله في علاه… ماذا يفعل الإنسان بأخيه الإنسان؟!
في زمن الأعياد أيُّ فرح يلامس قلوبنا في لبنان والشحناء والبغضاء والتخوين والتكفير والتفجير والتعطيل والتهديد والوعيد خبزنا المعطى كفاف يومنا؟! أيُّ أعيادٍ وكيفما أدرتَ وجهك وقعت عيناك على نساء وأطفال يفترشن الأرصفة، يبيتون وسقفهم جسر مشاة راجلين أو راكبين؟! وأيُّ بهجاتٍ لأيّ بيوت تنام وتصحو على القلق والتوتر والخوف والترقب والحذر؟!

في زمن الأعياد أيُّ عالم قبيح يتجلّى أمام أعيننا، البراميل المتفجرة تحصد الأبرياء في حلب وتدكّها دكاً، وكبير ساسة العالم يتفرّج على الموت المعاد كدرس يوميّ في سوريا، ويهدّد بالتدخل في تقاتل قبيلتين في دولة الجنوب السوداني المسيحي، ليس حباً بالقبيلتين، ولا بالمسيحيّين السودانيين ولكن خوفاً على حقول النفط في جنوب السودان، هو نفس العالم الذي وقف يتفرّح على إبادة عمر البشير لأهل دارفور، فأيُّ سلامٍ لأيّ أرض؟!

في زمن الأعياد؛ الدماء تغمر وجه الأرض، والله لا يغفر القتل ويُحرّم سفك الدماء، ويُكرّم الإنسان، لكنّ هذا الإنسان لا يُكرّم نفسه ولا أخاه الإنسان، ولا يرفق بنفسه ولا بغيره من بشر وشجر وحجر ومدر وبحر وأرض وسماء، فمن أين يأتينا الفرح، وكيف يعمر الإيمان قلوباً قست حتى أصبحت كالصخر، وبعض الصخر أرقّ من هذه القلوب؟!

في زمن الميلاد المجيد، تبهج الزينة الشوارع ولا تُبهِج القلوب، ومن فوق كلّ الآلام التي تعصف بلبنان وسوريا والمنطقة والعالم العربي، ومسيحيي الشرق، ومسلمي العالم، تبقى القلوب معلّقة برسالة السيد المسيح ودعوته للسلام والمحبة، ومن فوق كلّ هذه الجبال السوداء من البغضاء، لن يغلب شرُّ السلاح خير السلام، ولن يقهر الطغاة الضعفاء، ولن ينتصر الجبارون والكذّابون والمضللون، لنا في التاريخ عبرة، وفي دعوة كلّ الأنبياء أسوة، وفي خلوات الأولياء والقديسين قبس من نور يُضيء ليل البشر الطويل والحزين.

نسأل الله تعالى في هذه الأعياد المباركة، أن يحلّ على لبنان والمنطقة عموماً وعلى مسيحيي هذا الشرق خصوصاً سلام المسيح وبركته وبركة المصطفاة الصدّيقة مريم، آية العالمين هي وابنها، وأن يصرف الله عن لبنان وسوريا والعالم العربي الشرّ والشريرين، فقد اكتفينا من إدخالنا التجارب، اللهمَّ فارحم..اللهمّ فارحم…

المصدر:
الشرق

One response to “«وعلى الأرض السلام»”

خبر عاجل