الشهيد محمد شطح، مع مطلع العام الجديد نعتذر منك مرتين: مرة نيابة عن القتَلة المجرمين الذين نالوا من جسدك من دون ان ينالوا من روحك وأفكارك التي زرعتها في عقول الآلاف من جيل لبنان الجديد، ومرّة ثانية نيابة عن بعض العملاء من جهة وبعض المحبّين من جهة ثانية الذين أصرّوا حتى بعد استشهادك على وصفك برجل الاعتدال.
وبعد، الجريمة باتت مزدوجة لأن القتلة المجهولين المعلومين يختارون جيدا “أهدافهم” في غرفهم الإجرامية السوداء مثل قلوبهم، فيما أهل الشهيد ومحبوه يبخسونه حقه ويقللون من أهميّته بوصفه برجل الاعتدال.
لا يا سادة، عذرا منكم جميعاً، لأن محمد شطح لم يكن يوما رجل الاعتدال في هذه المرحلة التاريخية التي يمر بها لبنان، حيث بات الاعتدال مرادفاً للخيانة.
محمد شطح لم يكن يوماً معتدلاً في القضايا الوطنية الأساسية التي تمسّ جوهر وجود لبنان ومستقبله، فضلاً عن الأخطار المحدقة به:
– لم يكن الشهيد الجديد يوماً معتدلاً في تأكيد نهائية الكيان اللبناني وضرورة العيش المشترك بين جميع اللبنانيين على كامل التراب الوطني.
– لم يكن متهاوناً في التمسك باتفاق الطائف وضرورة تطبيقه كاملاَ، معتبراً ان العيب ليس في الاتفاق نفسه بل بمنع تطبيقه من قبل الاحتلال السوري في حينه.
وعليه، لم يكن يوما الا مصرّاً على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في الدولة، بل أكثر من ذلك محذراً من المثالثة التي راح بعضهم يروّج لها خفراً في الآونة الأخيرة.
– لم يكن متردداً في انتماء لبنان العربي وضرورة قيام أحسن العلاقات مع أشقائه العرب، في مقابل استمرار العداء لإسرائيل حتى الوصول يوماً ما الى اتفاق سلام شامل بين العرب واسرائيل. ألم يقل الرئيس رفيق الحريري يوماً حين اتهم بالإعداد لاتفاق منفرد بين لبنان واسرائيل إن لبنان سيكون آخر بلد عربي يوقع اتفاق سلام مع اسرائيل؟
– لم يكن مهادناً في مسألة سلاح “حزب الله” مكرراً في أكثر من مناسبة أنه لم يعد سلاح مقاومة بعد استخدامه في الداخل وبعد تجييره بأمر من إيران للدفاع عن نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا.
– لم يكن مساوماً في قيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ومتابعة أعمالها، ولا في المطالبة بكشف الحقيقة في قضية اغتيال الرئيس الحريري، حتى أنه كان يستعد لمواكبة الرئيس سعد الحريري الى لاهاي للمشاركة في افتتاح المحاكمات في السادس عشر من الشهر الجاري.
– لم يكن متأرجحاً في كل ما يتعلق بمستقبل لبنان في ظل سيطرة سلاح “حزب الله” على الحياة السياسية في البلاد، وفي ظل الأزمات الكبرى التي تعصف بسوريا والمنطقة. وانطلاقا من ذلك أتى مشروعه الجديد لتحييد لبنان والذي عمل عليه لمدة طويلة وكان سيشق طريقه قريبا في أروقة الأمم المتحدة. وفي هذا السياق أتت رسالته الى الرئيس الإيراني حسن روحاني بمثابة المقدّمة لهذا التحرك الدولي المرتقب.
محمد شطح لم يكن معتدلاً في محبته للبنان، وخصومه لم يكونوا يوماً معتدلين في تنفيذ مشروعهم المناقض لمشروع بناء الدولة في لبنان. لقد تعلموا الدرس واستخلصوا العبَر، على ما يبدو، من اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعد أشهر من صدور القرار الدولي 1559 بعدما حمّلوه علنا مسؤولية صدور هذا القرار. إنه بالتأكيد القرار الذي أخرج الجيش السوري من لبنان ولو بعد حين.
أما الآن، وبما أن سياسة القتَلة باتت مبنيّة على مبدأ الاستباق، فقد سارع هؤلاء الى اغتيال الوزير محمد شطح قبل بلوغ مشروعه لتحييد لبنان خواتيمه، وبالتالي قبل أن يتحوّل قراراً دوليًا يخرج سلاح “حزب الله” من لبنان بطريقة أو بأخرى ولو بعد حين.
بعد كل ذلك… أليس من الظلم اتهام محمد شطح بالاعتدال؟
نعم من الظلم ان نتهمه بالمعتدل لانه كان متعصبا الى حد الاستشهاد