#adsense

سقوط الشروط ؟

حجم الخط

 يكاد جميع المتابعين لتشكيل الحكومة الجديدة يرَون أنّ الانفجار في حارة حريك فجّر مسعى التشكيلة المستقلّة أو الحياديّة التي كان ينوي رئيس الجمهوريّة والرئيس المكلّف تقديمها خلال بضعة أيّام.

وفي تقديرهم أنّ “حزب الله” بات أشدّ إصراراً على صيغة ال ” 9 – 9 – 6 ” أو ما هو أسوأ منها، والدليل مسارعة نائب أمينه العام فور وقوع الإنفجار إلى المطالبة بحكومة “وحدة وطنيّة” و”جامعة”، وهما تعبيران يعنيان الصيغة التي يريد.

الواضح أنّ “حزب الله” يستثمر في الدمّ بسرعة قياسيّة، وهي التهمة التي طالما ألصقها بخصومه في “14 آذار”. وبات يروّج بلغات وصور متعدّدة هذه المقولة: يقتلوننا في الضاحية ويريدون قتلنا في السياسة واستبعادنا عن الحكومة! مع الإشارة إلى الالتباس حول وضع المفجِّر والخطف المسبق، وقد تُبيّن التحقيقات حقيقة الأمر، أو يتمّ طمسها إذا ثبت الإرتياب.

لا شكّ في أنّ هذا الترويج لاقى صدى عند بعض السياسيّين، ومنهم وليد جنبلاط وسواه.

 لكنّ المسألة أكثر تعقيداً من ردّة فعل فوريّة وعاطفيّة على سقوط الضحايا، ولا يمكن أن يكون تأليف حكومة بشروط “حزب الله” ثمرة طبيعيّة لحادث أمني هنا أو هناك. وإلاّ، لكان من السهل افتعال تفجير ما لفرض صيغة حكوميّة معيّنة.

الصيغة الحياديّة التي اقتنع بها الرئيس سليمان والرئيس سلام كانت نتيجة استحالة جمع النقيضين في تشكيلة واحدة طالما أنّ فريق “حزب الله” يقاتل في سوريّا ويرفض حياديّة إعلان بعبدا.

وبدت دعوة الشيخ نعيم قاسم إلى “التفاهم السياسي” في الحكومة عنواناً بلا مضمون، لأنّ فريقه كان السبّاق في ضرب التفاهم، وفي التفرّد بالقرارات المصيريّة. فتكون دعوته بمثابة عرض رضوخ وإذعان للتورّط في الحرب السوريّة، والقبول ببناء الحكومة الجديدة على هذا الأمرالواقع.

وبما أنّ هناك استحالة لتكوين حكومة تغطّي قرارات الحرب والتورّط في سوريّا، فإنّ الرئيسين سليمان وسلام محكومان بالعودة إلى صيغتهما المعقولة، ولو بعد محاولة أخيرة للتقريب بين النقيضين، وصفها سلام ب”الفسحة البسيطة للتوافق”.

وفي حال صدور مراسيم التشكيلة الجديدة، يجب رصد ردّة فعل “حزب الله”. فهو أوحى بمواقف غامضة، وأحياناً متناقضة، ولو اتّسمت عموماً بالتهديد والوعيد:

مسؤول منه أشار إلى “مفاجأة”، ثانٍ لوّح باحتلال الوزارات والإدارات، ثالث هدّد ب “7 أيّار” أوسع، رابع ألمح إلى موقف “دستوري”!.. والآن يوظّف دماء حارة حريك في الضغط لفرض صيغته.

فهل هو فعلاً في موقع الرفض والفرض، وفي الحيويّة ذاتها التي أسقطت حكومة “الوحدة الوطنيّة” قبل 3 سنوات، وأقامت مكانها حكومته؟ وهل “قمصانه السود” جاهزة كما قبل، ولها القدرة التحويليّة نفسها؟!

بعيداً من الخطاب “الانتصاري” المستهلَك، لا يبدو “حزب الله” في أفضل حالاته، لا في ورطته السوريّة التي يزيد غرقه في رمالها المتحرّكة، ولا في درع الحماية التي وعد بها ضدّ “التكفيريّين” الذين يتحرّكون في عقر داره، ولا في حريّة حركة سلاحه داخليّاً كما في “أيّاره المجيد”، ولا في اختراقاته النوعيّة السابقة للمذاهب والطوائف، ولا في انضباط مرجعيته الإيرانيّة بعد “جنيف النووي”.

وطالما تلك هي حاله، فإنّ ارتكابه أيّ عمل ميداني أمني، أو عصيان، أو “مفاجأة” كما يسرّب، سيكون تهوّراً جديداً يضاعف ورطتيه السوريّة واللبنانيّة، ويدفع لبنان إلى هاوية لا يعرف أحد عمقها.

وفي الحسابات العاقلة، لا يبقى أمامه سوى الموقف “الدستوري” الذي أشار إليه من ضمن تسريباته، أي الاحتكام إلى التصويت في مجلس النوّاب على الثقة بالحكومة التي يؤلّفها مرجعاها الدستوريّان.

وهكذا فإنّ سقوط ضحايا التفجير في الضاحية وسواها لا يُسقط الإتجاه إلى حكومة مستقلّين حياديّة، بل يُسقط الشروط المرفوعة في وجهها.

ولا بدّ من أن يدرك “حزب الله” ومَن وراءه، أنّ حكومة كهذه تفتح أمامه كوّة لمعالجة مأزقه المتمادي، وتمهّد لاكتمال عقد المؤسّسات التي تشكّل حماية له ولسواه، وتنتشله من دورة الموت التي أوقعوه فيها.

أمّا الفراغ الذي يسعى إليه، فسيكون هو أُولى ضحاياه، خلافاً لما يظنّ.

ليته يُدرك أنّ سقوط شروطه يعني نجاته، ونجاة لبنان.

ولا مفرّ من أن يفعل، أو يأمرونه بأن يفعل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

One response to “سقوط الشروط ؟”

خبر عاجل