ما من خطأ استراتيجي قاتل يمكن أن ترتكبه القيادات المسيحية السياسية والروحية، الحزبية والرسمية خصوصا، وقيادات قوى 14 آذار عموما، في هذه المرحلة الدقيقة من عمر لبنان، أكبر من القبول بالسير في ما تسعى قوى 8 آذار لاستدراجهم إليه من تجاذبات ومعارك ظاهرها “كبير ومصيري” تحت عناوين حكومية ورئاسية، وباطنها تحويل للأنظار وتضليل سياسي وإلهاء لأصحاب القرار والرأي العام عن جوهر المشكلة الحقيقية المتمثلة بحاضر الكيان اللبناني ومستقبله، وبمبدأ قيام الدولة الحقيقية.
فالأزمة الحقيقية التي يتخبط فيها لبنان واللبنانيون منذ أشهر، لا بل منذ انسحاب الجيش السوري من لبنان في العام 2005، ليست مشكلة نظام سياسي لم يعد قادرا بفعل الخلافات بين اللبنانيين على إنتاج سلطة سياسية كما هو حاصل بالنسبة الى تشكيل الحكومة، أو كما يخشى البعض من أن يحصل في الإنتخابات الرئاسية خلال الأشهر القليلة المقبلة الفاصلة عن نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان، كما يحاول “حزب الله” وحلفاؤه تصوير الأزمة. وإنما هي مشكلة سلاح يعطل النظام السياسي ويمنع المسؤولين الرسميين من تطبيق الدستور اللبناني وممارسة صلاحياتهم الدستورية.
من هنا فإن المعالجات يجب أن تتركز على جوهر المشكلة لا على عوارضها مستفيدين من تجربة التعاطي مع الإنتخابات النيابية الأخيرة المؤجلة عندما خاض المسيحيون خصوصا معركة جانبية تحت مسمى قانون الإنتخاب في محاولة للإستفادة من استحقاق دستوري على علاقة بجوهر الديموقراطية المتمثل بتداول السلطة، لتصحيح تمثيلهم في مؤسسات الدولة، في وقت كان “حزب الله” وحلفاؤه يخوضون معركة تغيير هوية الكيان، وتعطيل المؤسسات، وإلغاء القواعد الدستورية للدولة اللبنانية، وصولا الى إلغاء الإنتخابات تحت مسمى التأجيل.
وبدل أن يستفيد المسيحيون خصوصا، وقوى 14 آذار عموما، من تجربة لم يمر عليها بضعة أشهر، لاستخلاص العبر وإطلاق معركة استعادة الدولة والكيان، وتحرير المؤسسات والأرض من احتلال السلاح غير الشرعي، إذا ببعضهم اليوم ينزلق شيئا فشيئا، من حيث يريد او لا يريد، ومن حيث يدري أو لا يدري، الى السيناريو التضليلي ذاته، مستدرجا البعض الآخر، على خلفية المزايدات الشعبوية والمصالح السياسية والفئوية الضيقة، الى الغرق في سجالات حول شكل الحكومة، وأوصافها، وتركيبتها، وهندستها السياسية، وفاتحين باب الإنتخابات الرئاسية على خلفية مواصفات المرشحين وبازار أسمائهم، في وقت يمضي “حزب الله” في معركته الأساسية الهادفة الى استكمال وضع يده على الدولة والمؤسسات والقرار الوطني.
لقد انتهت معركة التمثيل المسيحي في المجلس النيابي من خلال قانون الإنتخابات السنة الماضية بإلغاء دور المجلس المعطَّل منذ قرار التمديد له… وكل الخوف أن تنتهي معركة استدراج قوى 14 آذار من خلال استدراج المسيحيين وإشغالهم بجولة جديدة من المزايدات والتنافس في شأن الحصص الحكومية وهوية الرئيس المقبل للجمهورية، بما انتهت اليه الإنتخابات النيابية قبل أشهر، فيستمر التعطيل في تشكيل الحكومة وصولا الى تعطيل الإنتخابات الرئاسية والفراغ الشامل الذي يسعى اليه “حزب الله” لادعاء فشل النظام اللبناني في إنتاج سلطة، وللمطالبة بتغيير النظام في ظل موازين للقوى العسكرية تسمح للحزب وحلفائه الإقليميين من نظام بشار الأسد في سوريا الى إيران بفرض شروطهم بما يكرس دستوريا الأمر الواقع المفروض حاليا في لبنان وعليه بقوة السلاح.
إن خطورة المرحلة تكمن في أن “حزب الله” وحلفاءه المحليين والإقليميين يلعبون لعبة مزدوجة بهدف تحقيق أهدافهم الإستراتيجية أيا تكن نتائج المعركتين التكتيكيتين المتمثلتين بتشكيل الحكومة وانتخابات الرئاسة.
فإن هم نجحوا في فرض تشكيل حكومة بشروطهم وفي إيصال رئيس للجمهورية بمواصفاتهم، خطوا خطوات جدية جديدة في اتجاه الإمساك بلبنان. وإن هم فشلوا في فرض شروطهم عمدوا الى المضي بالتعطيل وصولا الى الفراغ مما يسمح لهم بالمضي قدما بالتفرد بالقرارات المصيرية من دون حسيب أو رقيب.
لذلك، يبدو المسيحيون خصوصا، بدءا برئيس الجمهورية ميشال سليمان وصولا الى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، مرورا بكل القيادات السياسية والحزبية، وقوى 14 آذار عموما، أمام تحدي تصويب البوصلة وتصحيح الرماية السياسية، مستفيدين من تجربة الإنتخابات النيابية الأخيرة التي لم تحصل، بعدم الإنجرار الى معارك سياسية جانبية تحت مسميات الحكومة والرئاسة، وإحياء المعركة الاستراتيجية التي بدأوها في العام 2005، والمتمثلة باستكمال تحرير لبنان وقراره السياسي من احتلال السلاح غير الشرعي والوصاية الإيرانية التي حلت مكان الوصاية السورية. فكل التوازنات النيابية والحكومية والرئاسية تصبح بلا معنى سياسي وبلا فائدة عملية متى سقط الكيان بيد احتلال خارجي، يموه احتلاله بنظام أمني – عسكري – مخابراتي ينتج طبقة سياسية محلية ملحقة يمسك من خلالها بمؤسسات الدولة وقراراتها الإستراتيجية.
Well said as usual; Nawfal president 🙂