|
|
||||||
أسفٌ ما بعده أسف شعر به الكاتب، الذي يفترض به أن ينشر الثقافة والحضارة في كتاباته الى العرب قبل اللبنانيين، حيال قتل بن لادن.. كأن زعيم “القاعدة” لا يستحق الموت، كأنه حبيب يستحق الدلع، وكأنما الهدف هو تشجيع “القاعدة” على استكمال “رسالتها” في الحرية والنضال! يقول الكاتب “لم يلحق بأسامة بن لادن إلا من شعر بالقهر ينخر عظامه. ولم يبايعه إلا من شعر بأن الحياة مع الظلم لا طعم لها. ولم يقتنع به إلا من شعر بأن الحرية تحتاج إلى أشياء وأشياء، لكنها لا تحتمل المساومة..”، فالشعب السوري اليوم يُذبح بحجة مقاومة السلفيين، فكيف لمقاومي السلفيين أن يأسفوا على مقتل بن لادن وأن يدعموا “حزب الله” وأن يهاجموا الأخوان في الوقت عينه؟ ما هذه الخلطة العجيبة للمنطق!؟قد يكون الكاتب تهرّب من المنطق، فقد كرّر غير مرة عبارة “الرجل” وردّد “لا مكان للعقل” في سطور متقاربة، وأظهر كُرها للغرب يوازيه إعجاب ببن لادن. لكن ذلك لا يبرر مناجاة البحر ورثاء زعيم تنظيم لمجرّد أن الولايات المتّحدة الأميركية هي التي قتلته، ولا يبرر أن يكون بن لادن الضحية وأميركا هي الذئب، فيما كان حريّاً بالعرب أن يمسكوا به ويقتلوه انتقاما للفساد الإجرامي الذي نشره في مجتمعاتهم. فهل كان بن لادن أصبح مجرما وظالما وإرهابيا لو أن العرب هم من قتلوه كما قتل الليبيون معمّر القذافي؟
إذا غيّب القارئ العنوان وتناسى بعض العبارات التي تشير الى الموضوع، فإن المقالة تصلح لأن تكون نصّا يتخطّى العقل والمنطق يعيد الى الذاكرة البكاء على الأطلال في عصر الجاهلية، وتتبادر الى الذهن تلك القصيدة “قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ..” أو أغنية على “شطّ بحر الهوا”، مع فارق بسيط تصبح “على شطّ بحر العرب”. وأي عرب؟ فالمقالة لم تدافع عن العرب المظلومين، لا بل كان الكره الى الغرب أقوى من مشاعر القومية التي تربط كل مواطن لبناني بمواطنين في الدول العربية. وهل العدالة تنصّ على ترك القاتل يتجوّل ليقتل العرب؟ قد لا تكون الولايات المتحدة هي المرجع الصالح لإصدار الأحكام، إنما لا مبالغة في القول بأن العرب، كل العرب، ارتاحوا من التهديدات المتكررة ومن التفجيرات المتنقلة والإنتحارية التي كان يزرعها بن لادن في المنطقة العربية.. فلو كان على قيد الحياة، ربما كان لحقنا “طرطوشة”!
.. ويبشّر الكاتب بأن “المرحوم” سيكون حاضرا دائما وأبدا، لا بل سيظهر مبتسما، كأنما سيطلّ من البحر ليحلّ مكان الشمس والقمر، فيشرق ويغيب دون أن يتخلّى عن ابتسامته وستفوح رائحته كالعطر، يقول “ستحمل الشواطئ، كلها، في بحر العرب وفي غيره، رائحة الرجل. سترتسم صورته فوق كل المياه، سيكون بمقدور الجميع أن يلقي التحية على الرجل، وسيكون بمقدوره هو الابتسام أيضاً”. فإن كان بن لادن القاتل يستحق كل هذا الغزل، فهل يستحقّ أيضا مثله الإنتحاريان اللذان فجّرا السفارة الإيرانية؟
هل كان من المفترض أن يبكي القراء عند قراءة هذا الحب الفائض والتأييد الإنبطاحي لـ “رجل” تنظيم “القاعدة”، أم كان المفترض الملاحظة أن عدم الحاجة للعقل ينطلق من المثل الشهير “خالف تُعرف”؟
“(..) ولم يبق في المشهد غير صورته شهيداً، وغير صورة القاتل، تحفظ في ذاكرة كل حرّ في العالم”.. بهذه الطريقة نعى الممانعون يوما أسامة بن لادن على وريقات صحيفة لبنانية، حتى شعر أحدهم بأنه يريد أن يرمي وردة في بحر العرب، فليتوقّع إذاً قاتل القَتَلة، أي كل من يقتل مؤسس “داعش” وجبهة “النصرة”، أن الممانعين لن يكونوا الى جانبه، لأنهم يكونون في صدد البحث عن بحر أو رائحة أو ابتسامة تعيد إليهم ذكرى داعشيّ أو زميل “أمين” له.
من المقالات الجد جريئه