
كتب يوسف دياب في صحيفة “المستقبل”: بدا واضحاً أن الهوّة شاسعة بين المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه من جهة، وبين “حزب الله” الذي يحمي خمسة من كوادره الأمنيين المتهمين بتنفيذ جريمة 14 شباط 2005، سليم عياش وحسين حسن عنيسي ومصطفى امين بدر الدين واسد حسن صبرا وحسن حبيب مرعي التي قلبت الوضع في لبنان والمنطقة رأساً على عقب.
الأمر لم يقتصر على التباعد وعدم ثقة “حزب الله” بالمؤسسة القضائية الدولية فحسب، بل تعداها الى حرب مفتوحة بدأها الحزب على هذه المحكمة، منذ أن استجوبت عدداً من كوادره والمقربين منه، وأيقن بالملموس أن التحقيق توصل الى أدلة وقرائن ووثائق تثبت تورّط مسؤولين لديه في الجريمة، بعدما كان يعتقد أن أسرار هؤلاء عصيّة على الانكشاف أمام أي تحقيق أمني أو أي هيئة قضائية. وهذا ما بدّل أولويات “حزب الله” وجعل من المحكمة الدولية التي بصم عليها كأول بند على طاولة الحوار الوطني في آذار من العام 2005، وتعهّد بالتعاون وتسهيل مهمتها، عدوّاً أول يريد رأسها بأي ثمن.
تذكّر “المستقبل” على حلقات بوقائع من علاقة “حزب الله” بهذه المحكمة منذ بدء عمل لجنة التحقيق الدولية حتى مرحلة المحاكمات، وكيف تبدّلت أولويات الحزب وبات همّه الأول إسقاطها قبل أن تبدأ محاكمات علنية, وتكشف أمام الرأي العام ما يقضّ مضاجعه من وقائع وحقائق. لكن المتتبع لمسار عمل المحكمة يدرك تماماً أن كل الحملات الإعلامية والسياسية ومحاولات تشويه دورها وحياديتها، واختلاق وقائع وفبركة معطيات والحديث عن تسريبات ونشر لأسماء شهود بهدف ترهيبهم وتهديدهم، لم يغيّر شيئاً في المعطيات، ولم يفلح في وقف عجلة العدالة التي باتت قاب قوسين أو أدنى من إسدال الستار على المشهد الحقيقي الذي سيكشف للبنانيين والعالم خفايا اغتيال الرئيس الحريري ومن أمر بهذه الجريمة وخطط لها، ومن نفذها في وضح النهار.
تتناول الحلقة الأولى كيفية تعاطي “حزب الله” مع التحقيق الدولي، وتعهّد “حزب الله” وأمينه العام السيد حسن نصرالله بـ”التعاون الى أقصى الحدود… ولكن”، قبل أن تتغيّر نظرته اليها، ويصفها بأنها مجرد أداة “أميركية ـ إسرائيلية” هدفها النيل من المقاومة وخلق فتنة في لبنان، وصولاً الى الاعتداء على المحققين وإصدار الفتاوى بحرمة التعامل أو التعاون مع المحكمة ومحققيها، وإتهامها بأنها “أداة لخدمة سياسات دول تعمل لتصفية حساباتها مع معارضيها”. مستعيداً من جديد آلية إقرارها التي “تمّت في ظل حكومة فاقدة للشرعية من دون أن يتم تصديقها وفقاً للدستور وضمن الاطر الدستورية، ولم يوقع على اتفاقيتها رئيس الجمهورية ولم يبرمها المجلس النيابي”، والزعم بأن المحكمة تنصّلت مما يسمى “شهود الزور”.
لا شكّ في أن علاقة “حزب الله” بالتحقيق الذي كان يجريه المدعي العام لدى المحكمة الخاصة بلبنان بدأت بمرحلة “تعاون”. هذا “التعاون” أعلنه الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله بنفسه، في مقابلة إعلامية في 31 آذار (مارس) 2010، عندما قال: “إن مدعي عام المحكمة قام بالاتصال بإخوة في “حزب الله” أو مقربين من “حزب الله” وطلب استدعاءهم الى التحقيق، وفي الأسابيع الماضية وصل العدد الى 12 من المنتسبين أو الأصدقاء المقربين”.
وأضاف: “حصل في الماضي استدعاءات وقد جرت في الأشهر الأخيرة من عام 2008 بعد انتهاء (أحداث) السابع من أيار وعلى مقربة من إطلاق الضباط الأربعة، كما حصلت عام 2009 استدعاءات. وفي المرات السابقة لم يحصل استدعاء قياديين، أما في الأسابيع الأخيرة يوجد من الأخوة الذين تم استدعاؤهم مسؤول ثقافي وآخر يعمل في إطار جهادي معني بالتواصل مع الأخوة الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة، ورغم كل ما قلت ورغم شكوكنا وملاحظاتنا وهواجسنا والتجربة المؤلمة للجنة التحقيق وهذه الجهة ومن يقف وراءها ويحرضها ويلعب بها، هناك إعتبارات عدة وهي: إننا معنيون بمعرفة الحقيقة كما اللبنانيون ونتعاون لمواجهة التضليل في التحقيق ووفاء للحريري”.
وأشار نصر الله في المقابلة نفسها الى أنه “ليس هناك اتهام لغاية الآن ونرى كل هذه الضوضاء، فكيف إذا قلنا إننا لا نتعاون فستقوم الدنيا ولا تقعد، ويقال إننا خائفون وإننا متورّطون. لا ليس لدينا ما نخشاه وقرارنا التعاون وليس لدينا مانع أن تجلس اللجنة مع الأخوة”. لكن سرعان ما استدرك نصر الله الاسترسال في إيجابيته، بالقول “حزب الله سيتابع المسار، فإذا رأينا في لحظة ما أن المسار هو نفس الذي ورد في “لوفيغارو” في الشهر الثامن من العام 2006، ثم في صحيفة “السياسة الكويتية” ثم في (المجلة الألمانية) “دير شبيغل” ثم في “لوموند”، إذا كان الذي كتب هو نفسه ما يشتغلون عليه، عندها من حقي أن اتخذ موقفاً آخر، وكذلك إذا بقي شهود الزور محميّين”. موافقة نصر الله المشروطة تبعها بعد ستة أشهر، اعتراف من نائبه الشيخ نعيم قاسم الذي كشف أن “المحكمة تقدمت بطلب للاستماع الى أفراد قد يكونون قريبين من “حزب الله” بشكل أو بآخر”. واعتبر أن “القرار حول الاستجابة لهذا الطلب معلق”.
اعتداء على محققين
لم تدم إيجابية التعاون المشروط من “حزب الله” طويلاً، إذ سرعان ما انقلب على تعهّدات أمينه العام بالتعاون، وفاء للحريري ولعدم وجود ما يخافه”… فبعد ظهر السابع والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 2010، توجّه محقّقان من مكتب المدعي العام لدى المحكمة الخاصة بلبنان برفقة مترجمة لحضور لقاء معدّ له مسبقاً في عيادة طبيبة في بيروت. كانت الإجراءات المحيطة بهذه الزيارة على درجة عالية من المهنية وخاضعة للضمانات القانونية. وسبقها الحصول على موافقة من السلطات الرسمية اللبنانية على هذه الزيارة التي ترافقت مع مواكبة أمنية للمحققين من قبل عناصر من الشرطة القضائية ومن الجيش اللبناني. وبعد موافقة الطبيبة نفسها التي حصلت بدورها على إذنٍ من نقابة الأطباء لعقد هذا الاجتماع. وما كاد يبدأ الاجتماع مع الطبيبة، حتى ظهرت على نحو مفاجئ مجموعة كبيرة من الأشخاص، الذين اعتدوا بعنف على المحققين وعلى المترجمة أيضاً، وقاموا بسرقة أغراض من حقيبة المحققين تعود لموظفي مكتب المدعي العام في أثناء هذا الاعتداء. هذا الاعتداء على فريق المحققين قوبل بموجة استنكار ليس في لبنان فحسب، إنما من الجهات الدولية المعنية، إذ دان رئيس المحكمة (الراحل أنطونيو كاسيزي) كل أشكال العنف الذي يمارس على المحققين.
حرمة التعاون
لم يتوقف الأمر عند الاعتداء، إنما تبعه تبرير له من الأمين العام نصر الله الذي أطلّ مساء 28 تشرين الأول (إكتوبر) في لقاء خصّصه للحديث عن هذه الحادثة وتبرير الاعتداء، يتبعه بإعلان صريح وواضح بتحريم أي تعامل مع المحكمة وأجهزتها، إذ قال: “إننا سكتنا حتى لا يقال إن هناك مَن يريد عرقلة التحقيق الدولي وكشف الحقيقة، وسكتنا مراعاة للأمور الداخلية، ولكن الاستباحة كانت قائمة، كل هذه المدة لم نتكلم مع علمنا أن هذه المعطيات أوسع من تحقيقات بعملية اغتيال، ومع علمنا أن المحقّقين عملوا على جمع معلومات عن “حزب الله” أوسع من اتهام مجموعة باغتيال الحريري، ومع علمنا أن كل ما يحصل عليه المحقّقون الدوليون يذهب إلى إسرائيل ومع ذلك سكتنا (…) أي أحد يحق له القول إننا أخطأنا أم لم نخطئ، سكتنا من أجل ألا يُقال إنّ هناك عرقلة وهذا كان يثير حساسيات في البلد ومراعاة لعائلة الحريري، الآن وصلنا إلى مكان لا يمكن أن يطاق والسكوت عنه تحت أي اعتبار سياسي أو داخلي أو خارجي أو كرامة لأحد”. وسأل: “ما هي حاجة التحقيق الدولي للملفات الطبية لنسائنا؟ لماذا يطلب من طبيبة مختصة بعيادة يتردد إليها زوجات وبنات كوادر من حزب الله”؟ ان استمرار التعاون مع المحقّقين الدوليين يساعد على مزيد من استباحة البلد والاعتداء على المقاومة. وبما يشبه التحريض وإعطاء الضوء الأخضر برفع وتيرة العدوان على المحكمة ومحققيها، قال نصر الله: “أدعو كل مسؤول ومواطن من الآن فصاعداً أن يتصرف مع طلبات هؤلاء المحقّقين بما يمليه عليه ضميره وكرامته وشرفه (…) وأدعو الجميع لتحمل المسؤولية”.
في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) أكمل الشيخ نعيم قاسم ما بدأه نصر الله، إذ أعلن في مقابلة مع شبكة “بي بي سي” العربية، “اننا وبوضوح لن نتجاوب مع أي طلب من طلبات المحكمة” لأن هذه المطالب تؤدي الى اتهام افترائي (…)، ولذا نحن كحزب الله غير معنيين بما يريده فريق التحقيق وبما تقوم به المحكمة”، مشيراً الى أن “حزب الله رفض، لائحة قالوا فيها (المحققون) بأنهم يريدون التحقيق مع أفراد فيها سواء أكانوا مقربين من الحزب أو أشخاصاً في منطقتنا، ومنذ ذلك التاريخ ليس بيننا وبين لجنة التحقيق أي طلب من هذا النوع”. وأردف: “إننا في حزب الله اضطررنا إلى الاعلان أمام الرأي العام رفض التعاون مع لجنة التحقيق، بعد أن بدأوا (المحقّقون) يدخلون على افراد كما حصل مع العيادة النسائية بطريقة مشبوهة وبآثار سلبية جداً”. ورأى أن “التسرّع بإعلام الرأي العام، بمضمون ما قد يتضمنّه القرار الاتّهامي، إما بناء على تنبؤات أم على معلومات، وإجراء مقاربة سياسية قانونية تتناول هذا القرار الذي لم يعلن عنه بعد”.
رعد ونقاطه السبع
في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2011 عقد رئيس كتلة “حزب الله” النيابية (الوفاء للمقاومة) النائب محمد رعد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع المحامي سليم جريصاتي كرر خلاله ان “المحكمة تشكل أداة لخدمة سياسات دول تعمل لتصفية حساباتها مع معارضيها، وأثار 7 نقاط تتناول إنشاء المحكمة والتحقيق الذي يجريه النائب العام لديها وهي:
1 – ان آلية إقرار المحكمة الدولية تمّت في ظل حكومة فاقدة للشرعية من دون أن يتم تصديقها وفقاً للدستور وضمن الاطر الدستورية، ولم يوقع على اتفاقيتها رئيس الجمهورية ولم يبرمها المجلس النيابي.
2 – ان المحكمة تنصّلت من شهود الزور وان دانيال بلمار عمل على إيجاد الفتاوى القانونية التي تبرر عدم ملاحقتهم.
3 – إن مبدأ سرية التحقيق لم يحترم وان الدليل على ذلك يتمثل بالتسريبات الصحافية التي تناولت التحقيق الدولي نقلاً عن مصادر فيه (السياسة 21/5/2005، لوفيغارو 19/8/2006، السياسة 28/3/2009، ديرشبيغل 23/5/2009، موقع ايلاف 8/7/2009، لوموند 14/2/2010، محطة CBC الكندية).
4 – إن قواعد الإجراءات والاثبات تتضمن أحكاماً مريبة، بالنظر إلى ان قضاة المحكمة هم الذين يضعونها، ويقومون بتعديلها، مما يمسّ بمبدأ استقرار القوانين الاجرائية الجزائية المرعية بمعرض محاكمة جنائية.
5 – ان النائب العام يطلب من الأجهزة الأمنية والمؤسسات الرسمية اللبنانية قواعد بيانات كاملة، عن المدة الممتدة من 2003 لغاية 2010، تطال شرائح واسعة من الشعب اللبناني ومنها “داتا” الاتصالات الخلوية ورسائل الـsms، كما أنه يطلب تحديث هذه البيانات بشكل دوري، مما يخرق السيادة اللبنانية ويهدد الأمن القومي لأنه من غير المعلوم مَن سيكون المستفيد الحقيقي من هذه البيانات.
6 – إن المحكمة الخاصة بلبنان تتجه إلى اعتماد الأدلة الظرفية بدلاً من الأدلة القطعية لعدم وجود شهود مباشرين، مما يجعل لبنان البلد الذي لم ينعم بالاستقرار الداخلي منذ العام 2005 مسرحاً للتجارب والاجتهادات والبدع القانونية والقضائية.
7 – ان القيمة الثبوتية لدليل الاتصالات والروابط الهاتفية، وهي من الأدلة الظرفية، سوف يشكل عمدة الاتّهام المرتقب للمدعي العام لأنه لا يوجد لديه شهود مباشرون.
أمّا بعد الإعلان عن قرار الاتّهام، وبعد نشر أسماء المتّهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإنّ حزب الله وصف هؤلاء بـ”شرفاء هذه الأمّة” ورفعهم إلى مرتبة القداسة”.
“أسرلة” المحكمة
إستكمل نصر الله حربه على المحكمة، إذ سارع في الثاني من تموز 2011 الى إلقاء خطاب نقلته وسائل الإعلام كافة، اعتبر فيه أن “هذا التحقيق وهذه المحكمة وقراراتها وما ينتج عنها بالنسبة إلينا هي “أميركية إسرائيلية” بوضوح (…) وبناء عليه نرفضها ونرفض كل ما يصدر عنها من اتهامات باطلة أو أحكام باطلة ونعتبرها عدواناً علينا وعلى مقاومتنا وظلماً لشرفاء هذه الأمة ولن نسمح بإضعافنا ولا بالنيل من ارادتنا ولا بالنيل من كرامتنا، وأيضاً لن نسمح لها بأن تجرّ لبنان إلى فتنة أو إلى حرب أهلية”. وقال: “لن يكون بالامكان توقيف المتّهمين لا في 30 يوماً أو 60 يوماً أو 30 سنة أو 300 سنة، هناك قرار ظني اتهامي صدر بحق عدد من المقاومين، وكما قلت بعضهم له تاريخ طويل وعريق في مقاومة الاحتلال، هذه المحكمة وقراراتها وما ينتج عنها بالنسبة إلينا هي أميركية إسرائيلية بوضوح بناء عليه نرفضها ونرفض كل ما يصدر عنها من اتهامات باطلة أو أحكام باطلة ونعتبرها عدواناً علينا وعلى مقاومينا وظلماً لشرفاء هذه الأمة ولن نسمح لها بإضعافنا ولا بالنيل من إرادتنا وكرامتنا، وأعتقد انه لا بثلاثين أو ستين يوماً أو بسنة أو بسنتين أو بثلاثين سنة أو بـ300 سنة يستطيعون أن يجدوا أو يعتقلوا أو يوقفوا أحداً”.
اتيه لا محاله