#adsense

لماذا تراجع حزب الله؟

حجم الخط

يكثر أصدقاء عرب ولبنانيون من طرح السؤال نفسه. لماذا تراجع حزب الله عن شرطه بحكومة يمتلك فيها ثلثاً معطلاً لقرارها، وكان يعتبرها الحد الأدنى الذي يرضى به، وبات يطالب بحكومة لا يمتلك فيها هذا الثلث، بعد أن كان رفضها بإصرار طوال تسعة اشهر؟

بل لماذا بات يبدي كماً مفاجئاً من الليونة حيال شروط قاسية لقوى الرابع عشر من آذار مثل عدم تضمين البيان الوزاري ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”، وتضمينه بنود “إعلان بعبدا” الذي ينص في بنوده على “ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانيّة السوريّة وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرّاً أو ممراً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين” كما يجدد “إلتزام القرارات الدوليّة، بما في ذلك القرار 1701″، الذي يعني ضمنا إحالة ما يسمى المقاومة على التقاعد والبدء بوضع خارطة طريق لنزع سلاح ميليشيا حزب الله.

كل هذا!!؟؟

الحقيقة أن “تراجعات” حزب الله (وأضعها بين مزدوجين بإلحاح)، لا ترتبط في الواقع بأي متغيرات إقليمية كبرى، أبرزها مثلا بدايات المسارات السياسية الجديدة في ايران. فهذه بالكاد أقلعت إيرانياً، وسيكون علينا انتظار الكثير من الوقت قبل ان نبدأ بتلمس نتائجها خارج طهران. كما لا ترتبط هذه “التراجعات” بنتائج الميدان السوري على الرغم من اتفاقي مع من يقول إن حزب الله استعجل الاعلان عن انتصار عسكري مبكر، غير متحقق وغير قابل للصرف لبنانياً.

“تراجعات” حزب الله جاءت عند تقاطعات داخلية صرفة. أيقن الحزب أن فخامة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، مدعوماً من فرنسا (ليس صدفة انها دولة العامود الفقري في تنفيذ القرار ١٧٠١)، جاد في خيار الذهاب إلى حكومة حيادية تخرج القرار الوزاري من قطبية الثامن والرابع عشر من آذار. تزامن ذلك مع تطورين أربكا رئيس الجمهورية. تطور أمني مثلته العملية الانتحارية في حارة حريك التي وضعت الرئيس أمام بيئة (مستفزة اصلاً) بأعلى درجات الاستفزاز حيال خيارات ستعتبرها استهدادفاً لها. ثم جاء موقف للبطريركية المارونية بدا معترضا على خيار الذهاب بحكومة حيادية لما قد يعنيه ذلك من احتمال تطيير الاستحقاق الرئاسي في بين ٢٥ آذار و٢٥ أيار المقبلين، ليس بفعل الرابط الدستوري بين الاستحقاقين الحكومي والرئاسي، وهما غير مرتبطين دستورياً، انما بفعل البلطجة السياسية لمن سيعتبر أن حكومة الحياد هي استهداف له، أي حزب الله.

في هذه اللحظة المعقدة داخلياً، رمى حزب الله ورقة موافقته على الحكومة السياسية التي يجري البحث في تفاصيلها الآن، فزاد من العناصر التي فرملت عملياً اندفاعة سليمان باتجاه حكومة حيادية. لم يعد رئيس الجمهورية محاصرا بالأمن وبالموقف الكنسي وحسب، بل زاد على ذلك “إيجابية” محرجة أبداها حزب الله من خارج سياق أدائه السياسي منذ ثلاث سنوات.

وبهذا ضمن حزب الله، حتى الآن، حماية أولويته بالبقاء داخل السلطة التنفيذية التي كان سيقصى عنها لو نجح خيار الحكومة الحيادية بغير الحزبيين. وبالتالي نجح في حماية حصة راجحة له في القرار السياسي بالبلد، فيما لو حصل أي فراغ في سدة رئاسة الجمهورية وانتقلت صلاحيات هذا الموقع الى الحكومة اللبنانية كما ينص الدستور.

إلى رئيس الجمهورية، أربكت مناورة حزب الله، قوى الرابع عشر من آذار التي انزلقت إلى ملعب اختاره حزب الله وهو خضوع الفريق الاستقلالي للجلوس مع الحزب بعد طول تمنع.

وبالتالي قبل ازدهار التنظير لعدد التراجعات التي يفترض ان حزب الله اقدم عليها في اطار الاتفاق الحكومي الجاري انضاجه، ينبغي التمهل ومراجعة الأسلوب الايراني المحنك في “تجرع كأس السم”. هذه عبارة استخدمها الامام الخميني لوصف موافقة بلاده على القرار الدولي ٥٩٨ الذي أوقف الحرب العراقية الايرانية بهزيمة لطهران. ما اقدم عليه الخميني يومها يفوق بسماوات قطرات السم التي يفترض ان حزب الله بلعها، والتي يراد لنا ان نصورها انتصاراً سياساً.

تجرع الخميني كأس السم يومها في اطار خطوة الى الوراء للقفز اكثر من خطوة الى الامام، وكذا يفعل حزب الله اليوم. يعرف الحزب انه سيذهب في ختام مساره الحالي الى تسوية ما، لكنه يريد الوصول الى محطة التسوية وقد انهك خصومه واضعفهم مرتين: مرة بالاغتيال وتصحير ساحتهم من الكوادر الجدية، وأخرى بالتسوية لإستنزاف مشروعية ومصداقية من بقي منهم.

المصدر:
اليوم السعودية

One response to “لماذا تراجع حزب الله؟”

  1. استاذ نديم
    كلام جميل جدا و منطقي
    ولكن هل من الطبيعي أن يكون الخلاف في وجهات النظر شاسع هكذا بين افرقاء الرابع من أذار؟
    من هو المهندس و من هو المخطط في هذا الفريق المتشرذم و عدم المتجانس؟
    نفتقد للمستشارين الفعليين للانتقال بنا من مستوى الدفاع للهجوم
    الى متى ستظل اراءنا تكتب في الصحف و تنال الاعجاب و التصفيق
    و عند التطبيق …. خجل و خجل و خجل من هؤلاء الساسة
    حتى اليوم لا يتصرف قادتنا الا تبعا لأهواء و خطوات حزب الله
    ما من مبادرة و لا من خطة هجومية ذكية
    وافق الحزب على ال ثلات ثمانيات، فانشق صف ال ١٤ من اذار
    و للاسف هناك من يعتبر ذلك انتصار
    الى متى السطحية و عدم النضوج السياسي؟

خبر عاجل