صحيح أن الجريمة التي أودت بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، كانت بمثابة الزلزال الذي قلب الواقع السياسي والأمني في لبنان وربما المنطقة رأساً على عقب، لكن الجريمة التي سبقته وتمثلت بمحاولة إغتيال النائب مروان حمادة، والإغتيالات الأخرى التي تبعتها وطالت عدداً كبيراً من قادة ورموز قوى 14 آذار، كشفت بما لا يقبل الشكّ أن إنفجار 14 شباط ما هو الا الحلقة الأوسع في مسلسل يندرج في سياق مخطط إرهابي تقف وراءه دول ومنظمات تعمل على إخضاع لبنان وإلحاقه بـ”حلف الشرّ” أو تحويل المعترضين على هذا المخطط الى أهداف سهلة تجعل منهم مجرّد أرقام على قائمة التصفيات الجسدية التي بدأت مع رفيق الحريري وليست مرشحة للتوقف عند إغتيال الوزير الشهيد محمد شطح.
هذه الحقائق لم تقتصر على المقاربة السياسية للواقع، إنما ثبّتتها القرارات التي صدرت عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والتي أكدت التلازم بين إغتيال الرئيس الحريري، وقضايا محاولة اغتيال كل من الوزيرين مروان حمادة والياس المر واغتيال المناضل السياسي جورج حاوي. تلازم لا يقتصر على أدلة ظرفية جمعت بين كل هذه الجرائم وأثبتت أن جهة واحدة إرتكبتها فحسب، إنما جزمت بأنّ هناك مخطّطاً إرهابياً أُعدّ اعتباراً من العام 2004، وربما قبل ذلك، لوضع اليد على لبنان، أيّاً كان الثمن، عبر ترهيب الحياة السياسية وتوجيه رسائل إلى كل مَن لا يخضع لهذا المخّطط وصولاً، في حال عدم الانصياع، إلى تصفية هؤلاء جسدياً.
لقد أثبت الخط البياني للمسلسل الإجرامي، انّ هذا المخطط لم يكن يستهدف طائفة معيّنة، نظراً لتعدّد الانتماء الديني للضحايا، إنما إختار ضحايا هذه الجرائم الإرهابية من المنتمين إلى التيّار السيادي، العابر للطوائف، الذي كان يناضل لاستعادة لبنان استقلاليته وحق شعبه في تقرير مصيره. من هنا فإن إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان لم يكن يوماً مطلب طائفة أو مذهب معيّن إنّما كان مطلباً وطنياً لحماية الحياة الديموقراطية في لبنان. من هنا لم يعد صحيحاً أو مقبولاً بعد صدور قرارات الإتهام في القضايا المتلازمة الزعم أنّ المحكمة الخاصة بلبنان تشكّل أداة لإشعال فتنة سنّية شيعية، بعد أن تبيّن أنّ هذا المخطط كان يتناول فكراً ونهجاً سياسياً وليس ممثلين لطائفة معينة.
إن مباشرة المحاكمات أمام المحكمة الخاصة بلبنان، يوجّه رسالة واضحة الى كل مَن يعتبر أنّ الاغتيال يشكّل احدى وسائل العمل في الحقل السياسي، ويؤشر الى أن زمن الإفلات من العقاب قد ولّى، وأن لبنان طوى مرحلة وأطل على مرحلة جديدة، مرحلة لم يعد بإستطاعة القاتل أن ينفذ جريمته ويطمئن الى أنه بمنأى عن الملاحقة، ومرتاح الى أن يد العدالة لن تطاله لأنه يركن الى جهة نافذة تحميه، أو الى جبهة تقويه وتشدّ من عضده وتشجّعه على جريمة أخرى، وترسم له مخططاً لمسار دموي آخر.
بعدما إتضح أن المسلسل الإرهابي لم يقتصر على جريمة 14 شباط 2005، وبعد أن إستمرت الأعمال الإرهابية في لبنان، وجدت الحكومة اللبنانية نفسها مضطرة إلى الطلب من المجتمع الدولي تقديم المساعدة الفنّية للتحقيق في هذه الجرائم، على أن تشمل هذه المساعدة محاولة اغتيال النائب مروان حمادة والجرائم التي اقترفت بعد إستشهاد الرئيس رفيق الحريري.
فبعد جريمة 14 شباط كان الهدف الأول الكاتب والصحافي والمناضل في الصفوف الأولى لقوى 14 آذار سمير قصير، الذي إغتيل في الثاني من حزيران 2005 بتفجير عبوة ناسفة ألصقت في أسفل سيارته وفجّرت لدى ركوبه في السيارة أمام منزله في الأشرفية، ما أدى الى إستشهاده على الفور. وفي 21 حزيران وبعد ثلاثة أسابيع على إغتيال قصير، تم اغتيال جورج حاوي بنفس الطريقة والأسلوب، بواسطة عبوة ناسفة زُرعت في سيارته في منطقة الكولا في بيروت. وفي 12 تموز 2005 جرت محاولة لاغتيال وزير الدفاع الياس المر، باستخدام سيارة مفخّخة انفجرت عند مرور موكبه بالقرب منها في منطقة إنطلياس. وفي 25 أيلول من العام نفسه جرت محاولة إغتيال الإعلامية مي شدياق بنفس الطريقة التي أغتيل فيها قصير وحاوي، إذ زرع مجهولون عبوة ناسفة في أسفل سيارتها وفجّروها بها في منطقة جونيه، ما أدى الى بتر ساقها ويدها اليسرى. وفي 12 كانون الأول 2005 إغتيل النائب والصحافي جبران تويني بتفجير سيارة مفخخة إستهدفت موكبه في منطقة المكلس ما أدى الى استشهاده مع إثنين من مرافقيه.
توسيع عمل التحقيق الدولي
على أثر التمادي في المسلسل الإجرامي الذي كان يستهدف بشكل مباشر قيادات ورموز في 14 آذار، وفي اليوم التالي على إغتيال التويني، وجّه رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة (السابق كوفي أنان) طلب بموجبها التمديد لعمل لجنة التحقيق الدولية المستقلة المشكّلة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1559 (2005) وتوسيع نطاق ولايتها أو إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة من أجل التحقيق في محاولات الاغتيال والاغتيالات والتفجيرات التي وقعت في لبنان بدءاً من محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في 1 تشرين الأول 2004 حتى نهاية العام 2005. وبالفعل إستجاب مجلس الأمن الدولي لهذا الطلب، وأصدر القرار رقم 1644 (2005) الذي أذن للجنة التحقيق الدولية المستقلة بأن تقوم، عند الاقتضاء، بناء على طلب الحكومة اللبنانية، بمد السلطات اللبنانية بالمساعدة التقنية في تحقيقاتها في الهجمات الإرهابية التي ارتُكبت في لبنان منذ 1 تشرين الأول 2004، وتطلب إلى الأمين العام أن يقوم، في ظل التشاور مع اللجنة والحكومة اللبنانية، بتقديم توصيات بتوسيع نطاق ولاية اللجنة لتشمل إجراء تحقيقات في هذه الهجمات.
وافق مجلس الأمن، على تقديم المساعدة الفنية الدولية، وهذه المساعدة شملت تحديد العلاقة بين هذه الاعتداءات الإرهابية وجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وفيما بعد شملت صلاحية المحكمة الخاصة بلبنان هذه الجرائم في حال ثبت الترابط فيما بينها. وفي السادس من شباط 2006 توصّلت لجنة التحقيق الدولية مع النائب العام لدى محكمة التمييز وقضاة التحقيق في لبنان، إلى اتفاق يحدّد طرق التعاون في التحقيق في الاعتداءات الإرهابية التي ارتكبت في لبنان اعتباراً من 1 تشرين الأول 2004. وبعد خمسة أسابيع وتحديداً في 14 آذار 2006 صدر التقرير الثالث للجنة التحقيق الدولية المستقلة، التي كانت برئاسة سيرج براميرتز، الذي ورد فيه انّ اللجنة قدّمت المساعدة للحكومة اللبنانية في مجالات عدّة ومنها “تحديد أيّة روابط بين القضايا الأربع عشرة والتحقيق في اغتيال الحريري” وأنّه “قد يصبح من الضروري تقديم المزيد من المساعدة التقنية التفصيلية” إذا كشفت التقييمات الأوّلية مثل هذه الروابط.
قرار إنشاء المحكمة
الإنجاز الدولي الأهم كان في 30 أيار 2007، عندما أصدر مجلس الأمن الدولي القرار الرقم 1757 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي قضى بـ”أن يبدأ سريان الوثيقة المتعلقة بإنشاء محكمة خاصة للبنان والنظام الأساسي لهذه المحكمة، اعتباراً من 10 حزيران 2007، ما لم تقدّم حكومة لبنان قبل ذلك التاريخ إخطاراً خطّياً باكتمال الشروط القانونية لبدء النفاذ”. صدر هذا القرار بعد أن اطلع مجلس الأمن على الاتفاق المبرم بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة للبنان الذي وقّعته الحكومة اللبنانية في 23 كانون الثاني 2007 والأمم المتحدة في 6 شباط 2007. وقد منحت هذه الاتفاقية والنظام الأساسي، منح المحكمة صلاحية مقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005 وأدى إلى مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وإلى مقتل أو إصابة أشخاص آخرين. وإذ رأت المحكمة أنّ هجمات أخرى وقعت في لبنان في الفترة الممتدة بين 1/10/2004 (تاريخ محاولة اغتيال النائب حمادة) و12/12/2005 (تاريخ اغتيال النائب تويني)، أو في أي تاريخ لاحق آخر يقرّره الطرفان ويوافق عليه مجلس الأمن، هي هجمات متلازمة وفقاً لمبادئ العدالة الجنائية وأنّ طبيعتها وخطورتها مماثلتان لطبيعة وخطورة الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005. وبالفعل وبعد القرار الدولي، وبعد تصديق قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين على قرار الاتّهام في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تقدّم المدّعي العام لدى المحكمة (دانيال بلمار) بطلبات تتناول بعض القضايا المتلازمة مع هذه القضية.
القضايا المتلازمة
بدأ سريان الاتفاق الموقّع بين لبنان والأمم المتحدة بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان والنظام الأساسي للمحكمة المرفق بهذا الاتفاق، في العاشر من حزيران 2007. وترجم هذا الإتفاق بإفتتاح رسمي للمحكمة الدولية في الأول من آذار 2009، وهي إنطلقت تحت إسم “المحكمة الخاصة بلبنان لملاحقة ومحاكمة الأشخاص المسؤولين عن الاعتداء الذي وقع في 14 شباط 2005 وأدّى إلى مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وإلى مقتل وإصابة أشخاص آخرين، وعلى اعتداءات أخرى مترابطة. ولحوالي سنتين كانت المحكمة في طور التأسيس لجهة تعيين قضاتها ورئيس قلمها والإنكباب على صياغة قانون الإجراءات والإثبات ونظامها. لكن في المقابل كان التحقيق لا يزال مستمراً، الى أن صدر القرار الإتهامي عن القاضي بلمار، وصدقه القاضي دانيال فرنسين في 28 حزيران 2011، ووافق على طلب المدّعي العام إصدار مذكرات توقيف بحقّ الأشخاص المتّهمين الأربعة كما طلب إلى السلطات اللبنانية تنفيذ تلك المذكرات. وفي 30 حزيران تقدّم المدّعي العام بثلاث مذكرات، أبقيت سرّية، تتضمّن طلب اعتبار أنّ الملفات العائدة لكل من جريمتَي محاولة اغتيال كل من مروان حمادة والياس المر وجريمة اغتيال جورج حاوي هي من القضايا المتلازمة مع جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وفي الخامس من آب 2011 أصدر قاضي الإجراءات التمهيدية ثلاثة قرارات سرّية، قضت باعتبار أنّ المحكمة الخاصة بلبنان تتمتّع باختصاص للنظر في الاعتداءات التي تناولت كلاً من مروان حمادة والياس المر وجورج حاوي. وقد أبقيت هذه القرارات ومذكّرات المدّعي العام سرية، بناءً على طلبه، لانّه قد يؤدّي الكشف عنها إلى تعريض التحقيقات للخطر، وإتلاف الأدلّة والتأثير سلباً في أمن وسلامة المتضرّرين والشهود. وبناء على طلب النائب العام دانيال بلمار، أصدر قاضي الإجراءات التمهيدية، قرارات طلب بموجبها رفد يد السلطات اللبنانية عن هذه القضايا.
التنازل عن الصلاحية
في الثامن من آب 2011 تقدّم المدّعي العام لدى المحكمة الخاصة بلبنان من قاضي الإجراءات التمهيدية، بثلاث مذكرات سرّية لإتخاذ القرار بالطلب من السلطة القضائية اللبنانية الناظرة في قضايا مروان حمادة وجورج حاوي والياس المر أن تتنازل عن اختصاصها لصالح المحكمة وأن تحيل إليها نتائج التحقيق ونسخة مصدّقة من السجلاّت المتعلقة بهذه القضية. واعتبر المدّعي العام أنّ إجراء تحقيقاته على أكمل وجه يقتضي منه الحصول على الملف الكامل المتعلّق بكل من هذه القضايا، في حين أنه لا يملك سوى جزء منها إضافة إلى مستندات تسلّمها بموجب طلبات مساعدة قدّمها إلى السلطات اللبنانية. وفي 11 آب وصل وفد من مكتب المدّعي العام الى قصر العدل في بيروت، وفي لقاءين منفصلين في حضور النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي سعيد ميرزا، إجتمع الوفد مع كل من الوزيرين حمادة والمر لإبلاغهما أنّ قضية كل منهما تدخل ضمن اختصاص المحكمة الخاصة بلبنان، بعد أن ثبت ارتباطهما بملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كما عقد اجتماع مماثل مع مي شدياق التي أبلغت أنّ قضية محاولة اغتيالها غير مرتبطة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري. وفي 19 من الشهر نفسه، أصدر قاضي الإجراءات التمهيدية ثلاثة قرارات طلب بموجبها من السلطة القضائية اللبنانية الناظرة في قضايا كل من حمادة وحاوي والمر ما يلي:
أولاً: أن تتنازل عن اختصاصها في هذه القضايا لصالح المحكمة.
ثانياً: أن تحيل إلى المدّعي العام، في أقرب وقت ممكن، وضمن مهلة أقصاها 14 يوماً من تاريخ استلام هذه القرارات، جميع نتائج التحقيق ونسخةً مصدّقة من سجلات المحكمة المتعلّقة بهذه القضايا.
ثالثاً: الطلب إلى رئيس قلم المحكمة أن يبلّغ هذه القرارات إلى النائب العام لدى محكمة التمييز اللبنانية وإلى السلطة القضائية اللبنانية الناظرة في هذه القضايا، إضافة إلى نسخة عن القرارات المتعلّقة بهذه القضايا المتلازمة وذلك لأغراض إجراءات التنازل، على أن تبقى هذه القرارات سرّية ولا يجوز الكشف عنها.
وقد التزم القضاء اللبناني بقرارات قاضي الإجراءات التمهيدية، وتقدّم بتقارير ترعى هذه القضايا… علماً أنّ قاضي الإجراءات التمهيدية قرّر إبقاء طلبات المدّعي العام والقرارات الصادرة عنه سرّية، وفي اليوم الثاني أي في 19 آب سلّم النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي ميرزا وفداً من المحكمة الدولية التقرير الرسمي الذي أعدّه عن ملفّات كل من محاولة اغتيال الوزيرين السابقين المر وحمادة واغتيال حاوي.
سرّية القرار
ما إن أصبحت هذه الملفات في عهدة المحكمة، حتى دخل فريق الدفاع على الخط، إذ طلب مكتب الدفاع تزويده بنسخة عن القرار الذي اتخذه قاضي الإجراءات التمهيدية بتاريخ 30/6/2011، والمتعلّق بالقضايا المتلازمة. فما كان من المدّعي العام الا أن طلب عدم الموافقة على طلب مكتب الدفاع، وإبقاء طلبه المتعلق بالقضايا المتلازمة سرّياً للأسباب التالية:
أولاً: للحفاظ على التحقيقات الجارية ولحماية الضحايا والشهود المعنيين به.
ثانياً: لأنّ هذه القضايا ما زالت في طور التحقيق ولم يقدّم أي قرار اتهامي يتعلق بها.
ثالثاً: إنّ حقوق المتّهمين محدّدة في قواعد الإجراءات والإثبات ويجوز لهم فيما بعد الطعن بقرار التلازم أمام المحكمة.
لكن جواب قاضي الإجراءات التمهيدية لم يتأخر كثيراً، إذ أصدر قراراً في 14 تشرين الثاني من العام 2011، قضى بالإبقاء على القرار الصادر عنه بتاريخ 5/8/2011، بشأن طلب المدّعي العام الخاص بالقضايا المتلازمة الذي تقدّم به بتاريخ 30/6/2011، مستنداً سرّياً وغير وجاهي، حتى إشعار آخر لأسباب عدة أولها “أن هواجس المدّعي العام لا تزال مشروعة في الوقت الحاضر”. وثانيها “أن طلب المدّعي العام الخاص بالقضايا المتلازمة والقرار المتّخذ بشأنه لا ينبغي أن يوزّعا، في هذه المرحلة من الإجراءات، لا على مكتب الدفاع ولا على جهة الدفاع عندما تتشكّل، وذلك توخّياً لحماية سلامة وأمن المتضرّرين والشهود، وصون التحقيقات التي يجريها المدّعي العام والحفاظ على سلامة الأدلّة”.
شروط التلازم
شكّل القرار الذي إعتبر أن قضايا محاولة اغتيال كل من الوزيرين مروان حمادة والياس المر واغتيال جورج حاوي متلازمة مع جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، دليلاً صارخاً على أنّ هذه الاغتيالات تدخل ضمن مخطّط إجرامي واحد يستهدف فريقاً سياسياً محدّداً. وقد منح كل من الاتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة للبنان والنظام الأساسي لهذه المحكمة، المحكمة صلاحية مقاضاة الأشخاص المسؤولين عن كل من الهجمات التالية:
أولاً: الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005 وأدّى إلى مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وإلى مقتل أو إصابة أشخاص آخرين.
ثانياً: الهجمات الأخرى التي وقعت في لبنان في الفترة الممتدة بين 1/10/2004 (تاريخ محاولة اغتيال النائب مروان حمادة) و12/12/2005 (تاريخ اغتيال النائب جبران تويني).
ثالثاً: أيّة هجمات حصلت بعد 12/12/2005 تقرّرها كل من الدولة اللبنانية والأمم المتحدة ويوافق عليها مجلس الأمن، إذا كانت طبيعة هذه الهجمات وخطورتها مماثلتين لطبيعة وخطورة الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005، وإذا كانت هذه الهجمات متلازمة وفقاً لمبادئ العدالة الجنائية.
وقد حدّدت هذه النصوص شروط التلازم ونصّت على أنه يشمل، على سبيل المثال لا الحصر، مجموعة من العوامل وهي: القصد الجنائي (الدافع لارتكاب الجريمة)،الغاية من وراء الهجمات، صفة الضحايا المستهدفين، نمط الهجمات (أسلوب العمل)، والجناة. كما إنّ التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الدولية، والتي استمرت بعد أن تولّى المدّعي العام لدى المحكمة استكمالها، أثبتت أنّ الهدف من ارتكاب هذه الجرائم و/أو الجناة و/أو الغاية منها و/أو صفة المستهدفين مماثلة لجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
نتائج التلازم
إنّ قرارات قاضي الإجراءات التمهيدية التي اعتبر بموجبها أنّ قضايا محاولة اغتيال كل من مروان حمادة والياس المر واغتيال جورج حاوي متلازمة مع جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تشير إلى أنّ لدى أجهزة المحكمة الخاصة بلبنان أدلّة تثبت ما يلي:
– أنّ مخطّطاً إرهابياً أُعدّ اعتباراً من العام 2004، وربما قبل ذلك، لوضع اليد على لبنان، أيّاً كان الثمن، عبر ترهيب الحياة السياسية وتوجيه رسائل إلى كل مَن لا يخضع لهذا المخّطط وصولاً في حال عدم الانصياع، إلى تصفية هؤلاء جسدياً.
– انّ هذا المخطط لم يكن يستهدف طائفة معيّنة، نظراً لتعدّد الانتماء الديني لضحايا هذه الجرائم.
– انّ ضحايا هذه الجرائم الإرهابية ينتمون إلى التيّار السيادي، العابر للطوائف، الذي كان يناضل لاستعادة لبنان استقلاليته وحق شعبه في تقرير مصيره.
– انّ إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان لم يكن يوماً مطلب طائفة أو مذهب معيّن إنّما كان مطلباً وطنياً لحماية الحياة الديموقراطية في لبنان.
– لن يصحّ بعد صدور قرارات اتهام في القضايا المتلازمة الزعم أنّ المحكمة الخاصة بلبنان تشكّل أداة لإشعال فتنة سنّية شيعية، بعد أن تبيّن أنّ هذا المخطط كان يتناول فكراً ونهجاً سياسياً وليس ممثلين لطائفة معينة.
– انّ مباشرة المحاكمات أمام المحكمة الخاصة بلبنان أعمالها يوجّه رسالة واضحة، لكل مَن يعتبر أنّ الاغتيال يشكّل احدى وسائل العمل في الحقل السياسي، انّ الإفلات من العقاب قد ولّى.
من المتوقع أن تكون الإجراءات التي سوف تتّبع، بعد تصديق قرارات الاتّهام في هذه القضايا، مماثلة لتلك التي اعتمدت لدى تصديق قرار الاتّهام في قضية الرئيس رفيق الحريري (تبليغ المتّهمين، مباشرة المحاكمة الغيابية).
القصة الكاملة للعلاقة بين “حزب الله” والمحكمة الدولية 3…انطلاق مسار كشف الحقيقة وعدم الإفلات من العقاب
القصة الكاملة للعلاقة بين “حزب الله” والمحكمة الدولية… بين “التعاون” مع المحقّقين “وتطويب” المتّهمين
القصة الكاملة للعلاقة بين “حزب الله” والمحكمة الدولية 2… المتهمون بين “الحصانة” و”القداسة”