…وجاءت المحكمة. هنا، وهنا فعلا أكبر النقاط على السطر. هنا وقفت اللحظة. يحصل ان يتوقف الزمن، في لبنان فقط يحصل هذا، توقف حين تحوّلنا جميعا الى مشاريع شهداء، واعتقدنا في لحظات الياس الكبير، ان اشلاءنا ستبقى متناثرة في طرقات المجرمين الذين يتعاقبون على موتنا. وتوقف الزمن حين اعتقدنا في لحظات اللايمان المخيف، ان الله لا يرانا ولا يرعانا. وتوقف الان الزمن من جديد، على مقاعد المحكمة الدولية التي فتحت المحاضر وبدأت جلسات المحاكمة، وستبدأ اسماء المتهمين تُعلن وتُتلا على مرأى ومسمع اهل الشهداء وأهل لبنان، بعدما كنا اعتقدنا ان المجرمين جبابرة لا يطالهم الزمن ولا الامكنة ولا القدر ولا حتى يد الله العادلة. شهداؤنا ليسوا فقط رجال السياسة، ليس جبران وحده ولا بيار ولا رفيق ولا سمير ولا…ولا…ولا، شهداؤنا قلبنا، روح النضال فينا، ناس الارض الطيبين، حياتهم أعمارهم كبرياؤهم أحلامهم حاضرهم ومستقبلهم. لنا بذمّة الاجرام فيكم آلاف الشهداء، آلاف وليس أقل. لنا بذمتكم قوافل وقوافل النعوش، زرعتم حياتنا ووطننا دروب نعوش بدل زلاغيط الاعراس وصراخ الاطفال وضجيج الحياة. لنا بذمّتكم وطن بحاله، وطن نحاول أن نزرعه، ومنذ الاف السنين، بما يشبه روح الله، ان نطرّزه بالحلا الذي يليق بجباله وسهوله وبنعمة الربّ عليه، أن نجعله يليق على الاقل بصورة قديسيه، مار شربل رفقا الحرديني نعمة الله. ان نغنّجه ليتناغم وصورة مفكريه وادبائه وفنانيه الكبار، مخايل نعيمة، جبران خليل جبران، مارون عبود، الرحابنة فيروز وديع الصافي صباح ماجدة…سلبتمونا كل هذا المجد، كل هذه الحياة، جعلتمونا طعما مهترئا للنار والديدان، ليس أقل، لم تقبلوا أن نموت بشرف، تعمّدتم ان نموت أشلاء، ما لا يحترق من بقايانا بالنيران يهترىء بالتناثر تحت الاقدام، الى هنا وصلتم في اذلالنا. ليس أقل. نجحتم في استدارجنا الى اليأس، الرحيل، الكفر بالوطن، كيف لا نفعل ونحن نرى القاتل يمشي مزهوا بيننا، مزهوا سعيدا يا ناس، ونحن نشهد على انزلاق البلاد من ايدينا. الاهم، نجحتم في سلبنا الامل بالحق والعدالة…لفترة طويلة نعترف. نعترف بنجاحكم وبانهزامنا أمام وَهْم القوة، اصرّ، وَهْم القوة وليس القوة الفعلية. ليس السلاح وحده قوة، الحق أقوى من كل ترسانات العالم وديكتاتوريه. لكنه نجاح ومنقطع النظير و…موقّت. أكيد موقّت. الكبرياء حجب عنهم هذه الحقيقة، وباليأس تناسينا هذه الحقيقة. لا ظلم يدوم مهما طال به الزمن، ولا حق يضيع طالما خلفه مطالب. نسينا اننا نستشهد لاننا نناضل في طلب الحق بكرامة ارضنا وباستقلالنا وبعزّة حياتنا. لانغماسنا في النضال والموت، نسينا، غفلنا اننا نحن الخائفون على الارض نصبح سمادها، وهم الخائفون منا يجعلوننا طعاما مباركا لها ولا يدرون. نسينا ان عيونا من فوق تحرسنا ترسل لنا من وقت لاخر قديسين، أصغر الاوطان مساحة يخرّج اكبر عدد من القديسين. هي رسائل مباشرة اننا جميعا، مسيحيين ومسلمين بين ايدي الله مهما بدا المشهد وكأننا متروكون غنائم وولائم بين ايادي القتلة والمجرمين…
لحظة افتتاح اولى جلسات المحكمة الدولية، تذكّرنا كل ذلك، شعّ الامل، رأيت الكثير من البسمات. من ناس السماء ومن أهل الارض، أرضنا. ورأيت أيضا وجوها متجهّمة، لاول مرة أتفاءل بالوجوه المتجهّمة لاني رأيت فيها ايذانا بالحقيقة…
شهداؤنا من الزعماء نصبّحكم. شهداؤنا من ناسنا، هاشم السلمان، محمد الشعار، انور بداوي، شارل شيخاني، طوني ضو….و…و…و…نقبّلكم، انتم تتابعون بالتأكيد ما يجري، تنتظرون لحظة دوي الحقيقة لتدوي فينا حياة الرجاء من جديد، ولتهنأوا ان شهادتكم اثمرت في العدالة لبنان…

لا يمكن أن نضيف شيئاً بعد هذا الكلام المؤثر إلا تحية لروح شهدائنا علّهم اليوم ينامون بهناء بعد طول انتظار
انها العداله ,
انها التزام بالله,
انها التزام بالمسيح
شكرا رفيقه مقال رائع