ولكن في موازاة عمل المحكمة الذي قد يستغرق سنوات وسنوات، ودلّت انطلاقتها على حرفية مهنية استثنائية لم يشهد اللبنانيون والعرب مثيلاً لها في تاريخهم، ويعوّلون عليها كثيراً لوضع حدّ نهائي للجريمة السياسية التي هي من أبشع وأجبن وأخبث الجرائم، خصوصاً في زمن السلم، فإنّ قوى 14 آذار مطالبة بأن تكون منسجمة مع نفسها وتعبّر في العلن ما يردّده بعضٌ من أركانها في السر، والعلن ربّما، بأنّ الطرف الذي يخطط وينفّذ الاغتيالات هو “حزب الله”.
وهذا الإقرار الضمني أقلّه، وأحياناً الجزم، باتّهام الحزب بأنّه وراء الاغتيالات يطرح السؤال الآتي: كيف يمكن لفريق سياسيّ يحترم نفسه وعقلَ جمهوره أن يوافق، ليس فقط على المشاركة في الحكم مع الطرف الذي يغتاله، إنّما كيف يوافق على استمرار الحياة السياسية وكأنّ شيئاً لم يكن؟ فـ”الحياة وقفة عزّ”، ومجرّد الشكّ بالجهة التي تنفّذ الاغتيال يفترض اتّخاذ الخطوات التاريخية المطلوبة بانتظار تبيان صحّة الاتهامات من عدمِها.
فالمسألة هنا ليست من طبيعة نزاعية سياسية تتصل بميزان قوى خارجي وآخر داخلي، وأنّ حسم هذا النزاع يرتبط بمعادلات خارجية تفرض على اللبنانيين التكيّف مع هذا الواقع بانتظار تبلور المشهد الخارجي، إنّما القضية ترتبط مباشرة بعزّة وكرامة هذا الفريق السياسي الذي يقبل الجلوس إلى جانب الفريق المتّهم، من قِبله، بقتله، وغير صحيح أنّ ما في اليد حيلة، وأنّه مغلوب على أمره، لأنّ الواقع اليوم يختلف عن زمن الوصاية السورية، إذ باستطاعة الفريق المُستهدَف الذي يشكّل نصف الدولة والمجتمع أن يعلن جهاراً تعليق كلّ مشترك مع الآخر، يبدأ من المجالس الاختيارية والبلدية، ولا ينتهي بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، ريثما يتمّ وقف آلة القتل نهائيّاً، والقضاء على كلّ مسبّباتها عبر حصر السلاح بيد الدولة وحدها، خصوصاً أنّ الاغتيال السياسي لم ينحصر بالشهيد الحريري، إنّما بدأ مع مروان حمادة ولا يبدو أنّه انتهى مع محمد شطح.
والمقارنة مع فترة الحرب لا تجوز، لأنّ القوى المتصارعة لم تسقط المتاريس الجغرافية إلّا بعد اتفاق الطائف الذي أعاد تجديد التسوية بين اللبنانيين، التي وإن لم تأخذ مداها الطبيعي بسبب سورَنة هذا الاتفاق، غير أنّ “الطائف” وضع خطاً فاصلاً بين مرحلتين، مرحلة الحرب وما بعدها، وأتاح للقوى السياسية والجماعات استعادة التفاعل فيما بينها، ومن ثمّ تحميلها بشكل واضح أو موارب النظام السوري مسؤولية الإخلال في هذه التسوية التاريخية.
فالمصالحة أو المسامحة أو طيّ صفحة الاغتيالات يجب أن تتمّ بعد توقّفها، وقبل ذلك يجب ترسيم العلاقة على غرار المناطق المرسّمة إبّان الحرب الأهلية. والكلام عن أدلّة وإثباتات وقرائن، على أهمّيته، مجرّد تفصيل، لأنّ الحدس السياسي يؤشّر وحده إلى الجهة التي تنفّذ الإعدامات بحقّ الفريق السيادي الذي يتحمّل، نتيجة تخاذله، مسؤولية الدماء التي ما زالت تسقط من فريقه.
إنّ مواجهة الاغتيالات لا تتمّ بالتستّر والتغاضي والتعمية والتسوية مع المتّهم تحت عنوان سياسة شراء الوقت التي نجحت في تفريغ الساحة السيادية من معظم قياديّيها و”الخير لقدّام”، إنّما المواجهة تكون بإعلاء هذا العنوان كمدخل لأيّ حوار أو حلّ للأزمة السياسية التي يجب إيصالها إلى حدّها الأقصى على قاعدة “إذا ما كبرت ما بتزغَر”، ولأنّ هناك قاتلاً ومقتولاً، يجب معرفة هوية القاتل أكان اسمه 8 آذار أو 14 آذار أو طابور خامس بين سوريا وإسرائيل، فالأكيد أنّ الأمور لا يجب أن تستمرّ على هذا المنوال.
وقبل الكلام عن شروط مشنوقية أو غيرها للمشاركة في حكومة واحدة، على قوى 14 آذار أن تقول أمام اللبنانيين ما إذا كان “حزب الله” متّهماً أم بريئاً، ليبنى على الشيء مقتضاه. فإذا كان متّهماً وشاركت معه في حكومة واحدة يعني أنّها بلا قضية ومجرّد جماعة سلطة، وإذا كان بريئاً عليها أن تعلن ذلك وقفاً للاستثمار في هذه المسألة، ويصبح الكلام حينذاك في السياسة ممكناً…

2stez charles yeslam alamak wfekrak walla ya7mik li 2eltou ma 7ada byestarji y2oulou ghayrak