#adsense

بيننا وبينهم محكمة لا حكومة

حجم الخط

 خلت تلك القاعة من قيادات 14 آذار. لا أحد حول الطاولة. منذ اغتيال الوزير السابق محمد شطح ألغيت اللقاءات المعلنة لأسباب أمنية. ولكن صور الشهداء بقيت معلقة على الجدران. نزلت الصور من الجدران إلى الكراسي لتشهد على زمن العدالة في يوم بدء جلسات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. طالما لا يمكن للأحياء أن يلتقوا فلماذا لا يكون اجتماع للشهداء؟ فهم لا يمكن قتلهم مرتين. إنهم يعودون إلى ساحة المعركة من بوابة لاهاي. دماؤهم تلاحق القتلة ولو طال الإنتظار.

أخذ الرئيس رفيق الحريري الكلام. قال: أريد أن استغل هذه المناسبة لأعلن لكم ولكل اللبنانيين أنه مهما طال الزمن فإن زمن العدالة قد بدأ. ها أنتم تشاهدون معي اليوم بدء جلسات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. اعتقد الذين قتلونا أنهم يمكن أن يفلتوا من العقاب ولكن العدالة مهما تأخرت فهي التي ستعيد لنا حقنا. نحن لا نريد الثأر لأنفسنا بل نريد أن يكون استشهادنا ثمنا لقيام لبنان الجديد وحتى يفهم الذين قتلونا أنهم لا يمكن أن يفلتوا من العقاب بعد اليوم. عندما اغتالوني اعتقدوا أنهم يستطيعون أن يعيدوا تركيب لبنان على طريقتهم وأنه بإمكانهم أن يقفوا في وجه حركة التاريخ وأن يوقفوا حركة التغيير في لبنان. صحيح أنهم أعاقوا هذه العملية ولكن إرادة اللبنانيين بالتغيير هي التي ستنتصر في النهاية. لقد بدأنا شق هذا الطريق ولا بد من أن ينتصر لبنان في النهاية. لبنان الذي لا مكان فيه للإغتيالات ولا للذين ينفذون عمليات الإغتيال. لبنان الذي يتسع لكل أبنائه. لبنان الذي يعطي فرصة أفضل للحياة ويستحق أن نحيا من أجله كما استحق أن نستشهد من أجله.

نظر الحريري إلى الدكتور محمد شطح الواصل حديثا وقال له: هات أخ محمد خبرنا. قال شطح: كنت اعتقد أنهم سيرتدعون ولكن يبدو أن لا شيء يردعهم. عندما اغتالوك ظنوا أنهم سيرهبوننا وسنذب إلى منازلنا لنبكي بصمت وفاتهم أن اغتيالك كان اغتيالا لأحلامنا نحن اللبنانيين. وعندما كانوا يتابعون عمليات الإغتيال كانوا يعتقدون أيضا أن تراكم الخوف سيمنعنا من الكلام. ولكن فاتهم أن كلا منا كان يدرك أنه هو الذي يتم اغتياله. لم نستطع أن نحمي أنفسنا. هذا صحيح. ولكن في النهاية ماذا يمكنهم أن يفعلوا أكثر؟ لا يمكنهم أن يغتالوا إرادة التغيير. قبل أن آتي أليكم كان مضى ثمانية أشهر على تكليف الرئيس تمام سلام تشكيل الحكومة ولكن من دون جدوى. لذلك كنا في انتظارين: انتظار المحكمة وانتظار الحكومة. أنت تعرف أنهم اغتالوني عندما كنت متوجها لحضور اجتماع لقيادات 14 آذار في بيت الوسط. كنا نلتقي هناك في شكل مستمر ويبدو أنهم كانوا ينتظروننا. مثلك نحن اعتقدنا لفترة أن آلة القتل توقفت. أتذكر؟ أنت ايضا كانت لديك تطمينات بعد محاولة اغتيال رفيقنا النائب مروان حماده ولكن مع هؤلاء لا توجد تطمينات. لا يمكن أن نطمئن لهم ولكن ماذا نفعل؟ لن نتركهم يتحكمون بنا بالخوف. هذا هو مروان. انظر إليه. إنه هناك في المحكمة جالس مع الرئيس سعد الحريري وعدد من أهالينا. ألا توافق معي أن ثمة لبنانين تفصل بينهما المحكمة؟ لبنان الذي يغتالون ولبنان الشهداء؟ نشكر الله أننا من الصف الثاني. حتى اللواء وسام الحسن الذي كان يتابع التحقيقات لم يستطع أن يحمي نفسه.

كان الحسن ينظر إلى هيئة المحكمة. عندما سمع شطح يذكر اسمه اخذ الكلام وقال: صحيح دولة الرئيس لقد اغتالوني ولكنهم لم ولن يتمكنوا من اغتيال التحقيق. قبلي اغتالوا وسام عيد الجالس هنا معنا. وحاولوا اغتيال سمير شحاده ولكن التحقيق استمر. ثم حاولوا اغتيال أشرف ريفي ولكن التحقيق استمر. صحيح أننا هنا اليوم في عالم الحق والشهادة ولكن الذين قتلونا هناك في القفص وفي دائرة الإتهام وفي زمن العدالة والحق أمام هيئة المحكمة وإن كانوا متوارين عن الأنظار فهم في السجن مقيمون وسيبقون.

رفع سمير قصير قلمه وطلب الكلام. قال: كم كنت أتمنى لو كنت اليوم هناك لأكتب عن هذا الحدث. كنت سأضع عنوانا لمقالي: مقاومة على مين؟ لقد تسنى لي أن أشاهد انسحاب الجيش السوري من لبنان ووصلتني أخبار الثورة السورية. ثمة أخطاء تشوبها. أذكر عندما طالبت بثورة من داخل 14 آذار. ربما السوريون اليوم بحاجة إلى تجديد ثورتهم. أعتقد أن لا مكان بعد اليوم لهذا النظام السوري وطالما أننا ننتظر سوريا جديدة من دون بشار الأسد أتوقع أن تؤدي هذه المحاكمة إلى لبنان من دون قتلة. لا يمكن أن يسقط النظام السوري في سوريا ويبقى فرعه في لبنان.

أيد جبران تويني ما قاله سمير قصير وأضاف: اليوم الخميس قالت “النهار”: “قطار العدالة يقلع بعد تسعة أعوام”. بعد اغتيالي اختار والدي عنوانا عريضا: “اغتالوا جبران تويني ولكن النهار مستمرة”. مات والدي قبل أن يشهد معنا هذا النهار. اعتقد أن قسمي لا يزال يجمع اللبنانيين. بعد كل اغتيال كنا نقول “اغتالوا فلان و14 آذار مستمرة” اليوم يمكننا أن نقول أن المحكمة بدأت وآلة القتل لن تبقى مستمرة. هذا هو رهاننا. وهكذا سننتصر بدمائنا بعدما أرادوا أن تكون دماؤنا ثمنا لانتصارهم. ها هي تكون سببا لهزيمتهم.

أدرك بيار الجميل صلابة هذا الموقف. قال: يسعدني أن أرى أخي سامي إلى جانب سعد الحريري في المحكمة اليوم. لم تذهب دماؤنا هدرا. انظروا أين أصبح “حزب الله”؟ ترك جبهة المواجهة مع إسرائيل وذهب للقتال في سوريا. حاول أن يمنع التغيير في لبنان وها هو يحاول أن يمنع التغيير في سوريا. ولكن ما كانت النتيجة؟ سيارات مفخخة في قلب الضاحية الجنوبية. وآخر السيارات انفجرت اليوم في الهرمل. أبناء الضاحية والطائفة الشيعية أهلنا وهم شهداء مثلنا على مذبح لبنان.

علق جورج حاوي: أكثر ما يعزيني اليوم أننا لا نزال موحدين. نحن نختصر لبنان الحقيقي. لقد خرجنا من تجربة الحرب إلى لبنان الجديد ولكن يبدو أنهم أرادوا أن يبقوا في لبنان القتل. لا يجب أن نترك الساحة لهم. نحن لبنان الحقيقي. قد تطول اللائحة ولكن الحقيقة لا بد أن تظهر. يستطيعون أن يقتلوا الجسد ولكن لا يمكن أن يقتلوا الروح.

بصوته المجروح تابع أنطوان غانم: صحيح. كأن كل واحد منا يتكلم باسم الجميع. كم نحتاج اليوم إلى صمود اللبنانيين وكم يحتاجون إلى صمودنا. لقد مر الكثير من الوقت وكان يمكن أن يتعبوا وأن نيأس. ولكن لا هم تعبوا ولا نحن يئسنا. كأن يوم استشهادي واستشهاد كل واحد منا عهد علينا وعليهم.

علق وليد عيدو: لقد أزعجناهم في حياتنا ولن ندعهم يرتاحون بعد موتنا. نرحب بانضمام الزميل محمد شطح إلينا ولكن نتمنى أن يكون آخر الواصلين. كنت أشاهد منذ أيام كيف وجهت له “القوات اللبنانية” التحية من معراب. كنت أرى شعار “زمن العدالة” وأسمع الدكتور سمير جعجع يقول إن المجرمين يرتعدون أمام استحقاق الحقيقة. ماذا يعني أن يكون محمد شطح في محراب معراب؟ إن معركتنا واحدة وسننتصر بإذن الله. اعتقد أن التحقيقات ستظهر معلومات إضافية خلال المحاكمة.

كان وسام عيد ينتظر الحديث عن التحقيقات. قال: في مثل هذا الشهر اغتالوني. في 25 كانون الثاني قبل خمسة أعوام.عندما مشيت طريق كشف شبكة الإتصالات لم أكن أعرف أنني سأصل إلى نتيجة. ولكن الله وفقنا. كانت الصورة واضحة. حاولوا اغتيالي أكثر من مرة وفي النهاية تمكنوا مني. بسيطة. ولكن أنظروا أين أنا الآن وانظروا أين هم. معركتنا لم تنته يوم اغتيالنا. وإلا لماذا عاد اللواء وسام الحسن واستشهد من بعدي. أنا الآن موجود في كل الملف. عندما أرى مي شدياق ومروان حماده وغيرهما في قاعة المحكمة أعتبر أن حقنا وصلنا.

حسنا قال الرئيس رفيق الحريري. أحيي كل واحد منكم وكل من استشهد معنا من دون أن يكون له ذنب إلا مصادفة وجوده في مكان الإغتيال. لو كنت أعلم أن اغتيالي سيجر إلى كل هذه الإغتيالات لكنت غيرت طريقي ولكن الطريق الذي رسمناه لا يمكن أن يتغير. نحن هنا اليوم معًا كما كنا معًا. كل واحد منا أتى من مكان. قبل أن نلتقي هنا كان لبنان في أكثر من مكان وكل مكان يعتبر أنه لبنان. أنظروا اليوم لم يعد هناك خيار بين أكثر من لبنان. لبنان الذي نمثله نحن هو الحقيقة أما لبنان القتلة فهو إلى زوال. لقد سمعت في الأيام الأخيرة أخبارا عن محاولة استيلاد حكومة يسمونها حكومة جامعة. الحكومة الجامعة لا تجمع المتهمين مع الشهداء. أريد أن استغل هذه المناسبة لأقول لكم ولكل اللبنانيين من خلالكم في هذا اليوم التاريخي: إن عجلة التاريخ لا تتوقف وأن زمن العدالة سيحدد مسار التاريخ وسيجعل ربيع لبنان حقيقة. أكثر من ذلك أريد أن أقول للقتلة: بيننا وبينكم محكمة لا حكومة. لا تعتقدوا أننا خرجنا من المعركة أو أنكم استطعتم أن تهيلوا التراب فوق قبورنا وفوق الحقيقة. الحقيقة ستلاحقكم من تحت التراب.

المصدر:
المسيرة

One response to “بيننا وبينهم محكمة لا حكومة”

  1. تحيه اليكم رفاقي الشهداء انه من اروع المقالات

خبر عاجل