#adsense

في الضاحية… “اصبحتَ تفكر مثل 14 آذار”… “هم يلتهون في سوريا ونحن سكرنا من الدم”

حجم الخط

كتب جعفر العطار في صحيفة “السفير”:

 – ماذا استفاد “حزب الله” من معركته في سوريا؟

– اخفض صوتك!

– لماذا؟ ألا يحقّ لي أن أقول رأيي؟ قال الحزب إنه يريد استباق الإرهاب.

– صحيح. لولا مشاركته في القتال بسوريا، كنا الآن نستقبل “داعش” هنا في الضاحية، وكانوا سيقطعون رؤوسنا.

– مَن قال ذلك؟ كانوا سيقاتلون بعضهم في سوريا، وكنا، لو أرادوا المجيء إلى هنا، سنقاتلهم دفاعاً عن أنفسنا.

– لكن الحزب قرّر قتلهم قبل أن يفكروا بالتوجه إلى هنا.

– كلا، إيران طلبت منه ذلك دفاعاً عن بشار الأسد، والآن نحن ندفع الثمن

– اخفض صوتك! أصبحت تفكر مثل 14 آذار!

نهض من كرسيه في “فرن ومعجنات الطاووس”، واضعاً حداً للحوار، الذي بدأه صديقه بعد مرور نصف ساعة على انفجار حارة حريك أمس. سدد الفاتورة لصاحب الفرن في الحارة، وغادر، تاركاً صديقه الغاضب وحده، بعدما أثار انتباه الزبائن وجلب له شبهة في غير محلها وتوقيتها.

في مكان التفجير ثمة شاب ثلاثيني يقف على رافعة مثبتة بشاحنة، يسوّي بيديه ما تبقى من شرفات المبنى الذي انفجرت أمامه السيارة المفخخة، وسط باحة صغيرة. قبل 19 يوماً، وقف الفضوليون وسكان المنطقة هنا، في هذه البقعة، يراقبون آثار الانفجار بعيون مذهولة، قرب مطعم “الجواد”. أمس، دوّى الانفجار في هذه البقعة الصغيرة، وانتقل الفضوليون إلى الوقوف قرب المطعم، يراقبون من هناك آثار الانفجار الثاني، في الشارع ذاته.

الشهداء والجرحى نُقلوا إلى المستشفيات. لا إسعافات ولا أبواق تحذيرية. الساعة الحادية عشرة. مسلحون برشاشات كلاشنكوف ينتشرون على المداخل، يمنعون المارة من الدخول. “هلّق خلّصني من الإجراءات! بيتي هون!”، يقول شاب لأحد المسلحين الحزبيين بنبرة غاضبة، مردفاً: “لا تظهرون إلا بعد الانفجار! ابتعد جانباً”. لا يبتعد. يدفعه إلى الوراء فيزداد غضب الشاب: “اسمع، سئمنا من هذا التشبيح! منزلي في الداخل، وبدلاً من عرض عضلاتكم، تفضّلوا وأوقفوا هذه التفجيرات”.

تنقل الرافعة الشاب إلى الطابق الرابع، وينتقل معها الواقفون بعيونهم، يراقبون الشيء الوحيد المتحرك وسط الصمت الشهير بعد إجلاء الشهداء والجرحى. في هذا الشارع، المعروف بـ”العريض”، وقف هؤلاء بذهول قبل 19 يوماً، بينما انمحى الذهول من الوجوه أمس: بدا الأمر أشبه بالروتين، ولم يكن ثمة هرج ومرج كما اعتاد الناس بعد وقوع التفجيرات.

يخفض رجل خمسيني رأسه محيياً مردداً بلكنة عراقية: “سلام عليكم، أنا جارك في الطابق الرابع”. يلتفت صاحب الدكان نحوه ويرد السلام، ثم يستكمل تصليح المولد الكهربائي. الدكان ملاصق لمكان التفجير. تكسّر زجاجه، لكن صاحبه بدا كما لو أن مفرقعات نارية انفجرت قبل قليل: “لم أعد أفهم ماذا يحدث هنا. لقد فجّروا الشارع ذاته. لماذا لا يتفقون على شرائه؟ إذا اشترى الانتحاريون هذا الشارع، يستطيعون تفجيره متى أرادوا”.

 “سلام عليكم، أنا جارك في الطابق الرابع”، يقول الرجل العراقي لصاحب مقهى صغير قرب الدكان. يرد السلام. يضيف العراقي: “وددت أن أقول لكم حمدالله على السلامة”. يحدّق صاحب المقهى بوجهه كما لو أنه يتفحّصه، يهز برأسه، ثم يجيب: “شكراً، شكراً”. يكمل العراقي طريقه، ربما باحثاً عن جيران يريد كسب ودّهم، في أيام أصبح فيها الغريب مشتبهاً فيه.

ثمة باحة، بين الدكان والمقهى، تضمّ طاولة يجلس حولها شبان من سكان المنطقة. لا حركة هنا سوى الرافعة التي تحرّك الشاب، وعيون الجيران. تقترب الساعة من الواحدة ظهراً، أي بعد مرور نحو ساعتين على التفجير. يشير أحدهم بإحدى يديه نحو المبنى المتضرر قائلاً: “هناك، في الطابق الخامس، وجدوا رأس الانتحاري”. يقاطعه أحدهم معلقاً بنبرة حماسية: “أنظر، هذه السيدة مراسلة تلفزيون الجزيرة! كيف سمحوا لها بالدخول؟”. يجيبه أحدهم هازئاً: “ألم تعرف أن قطر والحزب تصالحا أخيراً؟”.

رصاص كثيف. رشقات نارية متتالية. هرج ومرج. صراخ. “يا شباب غادروا المكان!” يرتفع الصوت عالياً. رصاص. صراخ. الكل يركض كيفما اتفق. “سيارة ثانية مفخخة! اخلوا المكان!”. يعلو صوت الرصاص بقوة. حشود كثيفة تسير في حلقة مثل دائرة، ثم تتوقف فجأة عن الركض عند ناصية الشارع، بالقرب من حاجز تابع لـ”حزب الله”. تضارب بالأيدي وشتائم. رصاص في الهواء. لا سيارة ثانية مفخخة، بل إشكال فردي.

يعود الفضوليون، والجيران، إلى المكان المشرف على ساحة الانفجار. علي سرحان شاب جامعي، يسكن في “الشارع العريض” بالقرب من المبنى السابق لتلفزيون “المنار”. يصافح علي الجيران مهنئاً بالسلامة. لحظة وقوع الانفجار الأول هنا، قبل 19 يوماً، كان الشاب في المنزل، مثلما حدث أمس. مع ذلك، يقول: “سنبقى هنا. هل يوجد بديل؟”.

يسقط لوح زجاج على الأرض من شرفة مبنى. يهوي اللوح في حفرة مياه بلون الفحم. يتفرق الناس ويبتعدون عن المدخل. تسمع والدة فتى نحيل، كان يحدثها عبر هاتفه الخلوي، صوت التكسير فيطمئنها قائلاً: “أنا بعيد، لا شيء هنا!”. لم تصدّقه الأم، فابتدع الفتى طريقة مقنعة: “حسناً، سأقف خلف مراسلة تلفزيون الجديد”. يمشي قليلاً. “لحظة. الآن، هل تشاهدينني؟ إنني ألوّح بيدي”.

مكان انفجار الأمس بدا مفاجئاً: الشارع تمّ استهدافه سابقاً، وبذلك تمّ استبعاده من لائحة الأماكن المُحتمل استهدافها مرة ثانية. سكان الضاحية كانوا يعرفون أن انفجاراً جديداً هو آتٍ، لكنهم ظنوا أن بلدة برج البراجنة هي الهدف المقبل، بسبب اكتظاظها بسكانها والتحذيرات المتكررة، فاختفى الناس من هناك، وابتعدوا عن شوارع “عين السكة”، وتم إقفال الطريق من جهة “مستشفى الرسول”. اليوم، لم يعد ثمة تكهنات. ثمة مصادفة تمشي، وضحايا حظ عاثر يعبرون بخوف من سيارة هنا أو هناك.

وكتبت ناتالي اقليموس في صحيفة “الجمهورية”:

منذ العاشرة والنصف صباحاً، خرَج الحجّ ديب ترمس وابنته إلى شرفة المنزل، يتفقّدان زجاج النوافذ الجديدة. ويَروي لـ”الجمهورية” الدقائق الأولى من الحادث: “خرَجنا نتفقَّد الزجاج بعدما تحطَّمت الواجهة جرّاء الإنفجار الأوّل. وعند العاشرة و55 دقيقة اهتزَّت الأرض تحت أقدامنا لقوّة الإنفجار. للوهلة الأولى غطّت غيمة سوداء المكان، واستعرت ألسنة النيران على جانبي شقّتي. أدركنا سريعاً أنّه إنفجار، وخصوصاً أنّ تلك الأصوات ما عادت غريبة عن المنطقة، في ظلّ الاستهدافات المتلاحقة”. ويضيف: “صراخ، نحيب، وأصوات الإسعاف صدحت في المنطقة، وتدريجاً بدأت الجدران تنهار وأنين الجرحى يرتفع من تحت الركام”.

من جهته، كان الشاب طالب، وهو أحد العاملين في صالون للحلاقة، يحتسي القهوة مع زمرة من الشباب، يتحدَّثون كيف تغزو الانفجارات لبنان منذ مطلع العام الجاري، وسرعان ما دوَّى الإنفجار. فيروي لـ”الجمهورية: “على أساس “إنّو دورنا خلص مع التفجير”، ولكن دوّت الحقيقة المُرّة، إقتلَعنا الإنفجار من مكاننا، وكنت أوّل الواصلين لمساعدة المحتجزين بين ألسنة النار وعلى سطوح المباني، الله رأفَ بنا، فمعظم التلاميذ في مدارسهم، والأهالي في أشغالهم”.

عمر جديد…

“لا دولة، لا أمن، لا شحار لا تعتير”… ما عادت أعصابنا تتحمّل”، صرخة من القلب أطلقتها راغدة، وهي من المقيمين قرب موقع الإنفجار، وتقول لـ”الجمهورية” وقلبها يرتجف: “في الإنفجار الأوّل مضَت الأمور على خير وسلامة. أمّا أمس، فكنت في المصعد أهمّ بالخروج لشراء هاتف خلوي جديد بقرب مكان الإنفجار. إستغلّيت فرصة وجود أولادي في المدرسة. ولكن على اثر ما حدث، فقَدَ المصعد توازنه وبقيت محتجزة، “دقيقة

مرَّت دهراً”، ولكن على سلامة”.

“كُتب لي عمرٌ جديد”. بهذه العبارة يختصر حسن بعلبكي لحظات الرعب التي عاشها، وهو يمرّ صدفة في المكان. فيتحدَّث لـ”الجمهورية” والذهول يغمرُ محيّاه: “لا عمل لي في المنطقة، بينما كنت متوجّهاً إلى عملي في سنّ الفيل، قرّرت اختصار الطريق، وما إن وصلت قرب “سنتر سباعي”، حتى وجدت ورائي كتلة نار. كلّ ما في سيارتي تحطَّم، ولكن لحسن الحظ لم يُصبني خمش”.

شباب «الحزب وين»؟

“من قبل كانوا ماسكينا أكتر”. خلاصة وحيدة خرَج بها معظم الأهالي الذين يذوقون اللوعة للمرّة الثانية. ولم يتردَّد بعضهم في الخروج عن صمته والتعبير عن سخطه من تقصير الحزب، فيقول أحدهم: بربّك يا سيّد “لا بدنا بقا تقاتلوا بسوريا، بدنا السترة”. ويقاطعه صديقه قائلاً: “الشباب “ملهيّين” في سوريا ونحنا عم ناكل ضرب، سكرنا من الدمّ”.

المصدر:
السفير

One response to “في الضاحية… “اصبحتَ تفكر مثل 14 آذار”… “هم يلتهون في سوريا ونحن سكرنا من الدم””

خبر عاجل