#adsense

انفجار جيش وشعب ومقاومة

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة”: هذه هي صورة الوضع: جيش وشعب ومقاومة. نظرة واحدة إلى الصورة تكفي. سيارة مفخخة. انتحاري. انفجار. دمار. قتلى وجرحى. فوضى عارمة. جيش وقوى أمن. أمن “حزب الله”. وشعب الضاحية. تشييع. بيانات استنكار. بيانات تتبنى العمليات. سؤال عن العملية التالية. أين “حزب الله”؟ لماذا يقاتل في سوريا؟ من أين أتت السيارة؟ ابحثوا عن هوية الإنتحاري. يختلط الحابل بالنابل في ظل معادلة صارت مرادفا لمرحلة مضت ولم تعد تصلح لمرحلة تأتي. معادلة لا يعادلها إلا استمرار الخراب والصراع والدم والنزف في ظل استمرار اشتعال النار واستعارها من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان. لذلك يجب الإختيار بين ربط النزاع أو بين فك الإرتباط. وفك الإرتباط يحتاج إلى الخروج من هذه المعادلة إلى معادلة اخرى جيش وشعب ودولة قوية وإلى حكومة لا “مقاومة” فوقها.

 

 من مصلحة “حزب الله” ربما أن يسقط بنفسه المعادلة التي صار أسيرا لها. لم يعد ينفعه ما كان يقوله امينه العام السيد حسن نصرالله بأن المقاومة منذ انطلقت لم تكن تحتاج إلى إجماع وطني، ولا هي اليوم تحتاج إلى هذا الإجماع، وبأن ذهاب الحزب للقتال في سوريا لا يحتاج أيضا إلى هذا الإجماع لأنه يخوض حرب وجود. ربما حان الوقت ليسلك الحزب طريق العودة إلى الدولة بعدما صار أسير دولته التي أدخلته وأدخلت لبنان في صراعات قاتلة لا خروج منها وليعيد قراءة تجربته منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 وحتى قيام الثورة المعاكسة لها على الضفة الأخرى من نهر الدم. فمشروع الحزب لم يبدأ بعد الإجتياح الإسرائيلي في العام 1982 بل كان هذا الإجتياح مناسبة لإعلان الحالة التي كانت بدأت وبالتالي كانت للحزب وظائف أخرى غير الصراع مع إسرائيل. ينتهي هذا الصراع ولا ينتهي مشروع الحزب. ما يحصل في سوريا جزء من هذا المشروع، فهل يعيد الحزب حساباته؟ أم يظل يكابر ويأخذ الطائفة الشيعية في لبنان نحو خيارات يظهر أنها أخطر مما كان يواجهه على خط الصراع مع العدو الإسرائيلي؟

لا يبدأ المشهد من انفجار حارة حريك أو من انفجار الهرمل أو من الرويس وبئر العبد والسفارة الإيرانية. يبدأ من حسان اللقيس ومن عماد مغنية. لماذا حسان اللقيس؟ لأن اغتياله حصل في خضم هذه الموجة من العنف والسيارات المفخخة والخيارات الجديدة التي ينتهجها “حزب الله” عسكريًا وسياسيًا وأمنيًا.

بحسب المعلومات كان حسان اللقيس شخصية أمنية قيادية بامتياز. لم يكن معروفا أنه يحمل هذه المهمات السرية والصعبة في إطار عمل “حزب الله” الأمني. كان بالنسبة إلى الكثيرين من جيرانه وأهله شخصية عادية. ولكن كيف عرفت به إسرائيل، إذا سلمنا جدلا أنها هي من اغتالته ووصلت إليه في قلب الضاحية الحنوبية التي تتلهى بمسح الأضرار وانتظار الإنتحاري الجديد؟ بقدر ما يكشف الحزب عن الهالة التي كان يتمتع بها حسان اللقيس بقدر ما يصبح اغتياله مدويا. لماذا؟ لأن إسرائيل قادرة إذا على معرفة حقيقة هويته ودوره ومكان إقامته وفي أي شقة يسكن وفي أية ساعة يعود إلى منزله وأية سيارة يقود. وتعرف أيضا أن لا مراقبة في محيط حركته وأنه مطمئن إلى سرية تحركاته. كيف يمكن لإسرائيل أن تكتشف كل هذه الأسرار؟ هناك مراجعة ضرورية لمعرفة الخرق الذي حصل والذي يعني أن بيئة الحزب الحاضنة لم تعد تلك البيئة الآمنة، وأن هناك من تسلل إلى مستويات القرار إلى الحد الذي أمكنه أن يكسر الدائرة الحديدية التي يحيط بها الحزب نفسه. ولتحقيق ذلك لا يمكن أن يكون الخرق إلا من ضمن هذه الدائرة. وما حصل مع حسان اللقيس لا يبتعد كثيرا عما حصل مع عماد مغنية الذي اغتيل في دمشق.

لا تتوقف المسألة عند هذا الحد. تتحرك السيارات المفخخة التي يقودها الإنتحاريون إلى الضاحية الجنوبية ومعاقل “حزب الله” من دون خوف. يأتون في مهمات مكشوفة ومعلنة ومرعبة. يأتون حاملين هوياتهم وبيانات التبني من دون خوف من انكشاف أمرهم. لم تعد المسألة تتعلق بإخفاء هوية السيارة ومن أين أتت وهوية الإنتحاري المنفّذ. الهوية ضرورية من أجل تسهيل المرور، وأوراق السيارة ضرورية من أجل الوصول. فالمسألة لا تتعلق بصراع سرّي، بل بحرب مكشوفة، كل شيء فيها يكاد يكون معلنا. ولذلك يمكن فهم الخوف من استمرار هذا المسلسل. حتى لو دخل حزب الله إلى الحكومة فربما لن تتوقف العمليات. وحتى لو أعلن انسحابه من سوريا لن تتوقف العمليات. لقد دخل الحزب في حرب مفتوحة لا يوجد فيها عدو محتل حتى ينسحب، ولا توجد فيها مزارع شبعا حتى يتم تحريرها.

المسألة لا تتوقف عند هذا الحد. ولا تتعلق بالخيارات الكبيرة وحدها. السيارات المفخخة تدخل على الخط بقوة. من زمان درجت سرقة السيارات من دون أن تتمكن الدولة من وضع حد لها ومن دون أن يساعد “حزب الله” في محاربة هذه الظاهرة. كانت البيئة التي يدور فيها الحزب هي نفسها التي تدور حولها الشبهات في سرقة السيارات. السارقون يحملون أسماء معروفة والمناطق التي يتحركون فيها معروفة. يعلنون عن هوياتهم ويتصلون بأصحاب السيارات. لم يكن يقتصر الأمر على هذا الحد بل كان يتعداه إلى التجارة الممنوعة. ولكن مع بدء العمليات الإنتحارية أخذت المسألة بعدًا أمنيًا آخر بعد الكشف عن أن السيارات المسروقة هي التي تستخدم في عمليات التفجير. سيارتا تفجيري طربلس مسروقتان وخط تحركهما يمتد من الضاحية إلى سوريا مرورا ببريتال وعرسال. وسيارات بئر العبد والرويس والسفارة الإيرانية وحارة حريك مسروقة. ولكن من السارق؟

لم يعد الأمر سرا. حسب ما تسرب من معلومات أن الذي سرق السيارة التي انفجرت في حارة حريك هو نبيل الموسوي الذي ألقت قوى الأمن القبض عليه بعد مطاردات امتدت من طريق الشام إلى داخل عين الرمانة، وأنه باع السيارة إلى ماهر ط. المطلوب بمذكرات توقيف، والمتحصن في بلدة بريتال وهو قام بدوره ببيعها إلى سوريين يتاجرون بالسيارات المسروقة وتم تفخيخها في سوريا وعادت إلى لبنان لتنفجر في الضاحية. وبيّنت المعلومات أيضا أن سارق السيارة التي انفجرت في الهرمل شريك نبيل الموسوي وأن ماهر ط. متورط بشراء السيارات المسروقة وببيع السيارات الثلاث التي انفجرت في الرويس والهرمل والحارة.

تاه “حزب الله” بين هويتين: هوية الإنتحاري وهوية السارق والبائع. يعرف مشكلته مع الأول ولكن ما هي مشكلته مع الثاني؟ ثمة حدود للعبة الأمنية فكيف يمكن للحزب مواجهتها وهل عادت لتنقلب عليه؟

من لاهاي تكشفت المعلومات عن مسارات السيارات. تلك الشاحنة الصغيرة قصتها تحتل شاشات المحكمة الدولية. من أين أتت وما هي الطرق التي سلكتها؟ وما هي هويتها؟ لم تتم سرقتها. تم شراؤها من معرض سيارات في طرابلس. تلك إشارة لأخذ التحقيق نحو أماكن مظلمة. عندما اغتيل الوزير السابق إيلي حبيقة أتت السيارة من معرض سيارات في إحدى بلدات قضاء جزين. سيارة طرابلس كانت تهدف إلى الإضاءة على دور الإسلاميين في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وسيارة إيلي حبيقة كانت تهدف إلى ربط الإغتيال بالإسرائيليين على أساس أنه كان سيدلي بشهادته في قضية مجزرة صبرا وشاتيلا. في 25 كانون الثاني الحالي يكون مر اثنا عشر عاما على اغتيال حبيقة من دون أية ورقة في الملف. كثيرون يذكرون كيف تم غسل مكان التفجير في الحازمية بعد ساعات على عملية الإغتيال بعد توجيه التهمة مباشرة إلى العدو الإسرائيلي. اتهام ساهم حبيقة نفسه في صناعته. بعد تسعة أعوام على اغتيال الرئيس رفيق الحريري حان الوقت للكشف عن هوية السيارة التي اغتالته. كانت الهوية معروفة ولكنها لم تكن قد حصلت على أوراقها الثبوتية بعد.

بعد سيارات الضاحية والهرمل وطرابلس يبدو أن مافيا السيارات المسروقة باتت عدو “حزب الله”. لقد جرّب الحزب الأمن الذاتي بعد انفجاري الرويس وبئر العبد وبعد موجة إطلاق الصواريخ. أقام الحواجز عند مداخل الضاحية ومناطق سيطرته في الجنوب والبقاع ولم يحصل على نتيجة. في الضاحية اشتبك مع فلسطينيي مخيم برج البراجنة وفي بعلبك مع عائلات المدينة. قميص الأمن الذاتي وسخ لذلك سلمه الحزب ظاهريا إلى الدولة. الحواجز التي أقيمت عند المداخل تعبرها السيارات الملغمة بالإنتحاريين لتنفجر على الطرقات من دون تحديد أهداف معيّنة في عملية قتل عبثي لا حدود للعقل وللعنف فيها بحيث يبدو وكأن كل شيء محلل ولا محرمات. على رغم ذلك لم يعد الحزب إلى الأمن الذاتي. عند كل انفجار تحصل فوضى الأجهزة الأمنية وتظهر معادلة الجيش والشعب والمقاومة. ثلاثة أقانيم تتداخل في فوضى رهيبة. المشاهد في أمكنة التفجير تعبِّر عن نفسها في دائرة مقفلة: الإنتحاريون يأتون بسبب معادلة الجيش والشعب والمقاومة، والفوضى تنجم عن معادلة الجيش والشعب والمقاومة. تلك الدوامة لا يمكن الخروج منها إلا بسقوط هذه الثلاثية. بدل أن تكون شهيدة التفجيرات تحيا من جديد مع كل تفجير جديد. صارت هذه المعادلة مرادفة للفوضى وللعنف فكيف يمكن أن تكون داخل الحكومة؟ وكيف يمكن أن تكون حكومة لا تفصل في هذه المسألة؟ ربما هذا ما يجب أن يطالب به “حزب الله” أولاً من أجل أن يكون بداية لفك الإرتباط مع الأزمة السورية، ومع مشروع قد يكون الإستمرار فيه هو العملية الإنتحارية في حد ذاتها. وقد تكون البداية في مكافحة مافيا السيارات المسروقة وفي رفع الغطاء عن البيئة التي تحمي السارقين في وقت ربما بدأ فيه السحر ينقلب على الساحر.

ليس صحيحا أن قتال “حزب الله” في سوريا يخصّه وحده. وليس صحيحا أن تفجيرات الضاحية تخصّه وحده. عندما تنفجر سيارة في بئر العبد أو الرويس كأنها تنفجر في لبنان كله. في الأشرفية وفي جونيه وزغرتا وبشري. لا فرق بين لبناني وآخر أمام الموت والقتل. الشعور واحد، والكأس مرت مرّة على الجميع. مسلسل الإغتيالات كان قاسيا ولا يزال. منذ محاولة اغتيال النائب مروان حماده وحتى اغتيال الوزير السابق محمد شطح كان مشهد الدم مدويا. وفي الأشرفية والزلقا والجديدة وزوق مصبح وبرمانا والكسليك كان مشهد التفجيرات والدم قاتلا.

ربما المطلوب إعادة الحبر إلى ورق “إعلان بعبدا” من أجل إعلان جديد للبنان جديد لا تحكمه معادلة الجيش والشعب والمقاومة. هذه المعادلة لا تفخخ السيارات وحدها بل الحكومات أيضا، حتى لا تصبح الحكومة انتحارية، أو حكومة الأحزمة الناسفة.

المصدر:
المسيرة

One response to “انفجار جيش وشعب ومقاومة”

  1. 7izb iran jeb eldeb 3a lbnan!!! bravo Hassan ksart eljara …3ayasht albalad be2irhabak ta weslit almos lada2nak ,2ad ma tetkhaba ra7 ytalok abou 2osba3 tehdid !!! ouw3a tjarbounaaaa …siyeset el-molla: ghaba2 ta2efi-mazhabi-wbaltaji daretlak Hassoun !!! la7e2 3a kharaaaaabyout ya jondi el Faqqih

خبر عاجل