#adsense

لبنان ترانزيت “الكبتاغون”… غزوة سوريّة بالمصانع والتّجار

حجم الخط

كتب ألان سركيس في صحيفة “الجمهوريّة”:

لم تعرف حبّة الكبتاغون شهرتها الواسعة إلّا في الأعوام الثلاثة الأخيرة، بعدما ساهمت الأزمات السياسية وحروب المنطقة في زيادة الإقبال عليها، نتيجة الحرب القاسية التي شهدها البلد الأساسي المصنّع لها.

ساهمَت الحرب السوريّة في إغراق لبنان بالكبتاغون، فقد نشطت صناعة هذه المخدّرات في سوريا منذ نحو 10 أعوام، لكنّ الحرب دفعت التجّار السوريّين الى استخدام لبنان كبلد “ترانزيت” لنقل حبوب الكبتاغون الى الخليج العربي، أكبر سوق مستهلك لها. ووقعت عين التجّار السوريين على لبنان بعدما أُقفلت الطرق والمنافذ والمعابر التي اشتروها في سوريا بسبب تشدّد النظام في المراقبة والتفتيش في المرافئ والمطارات التي ما زالت تحت قبضته حتى وقتنا هذا، خوفاً من تهريب الأسلحة، فلم يستفيدوا من الفوضى التي سادت بلادهم لأنّ هدفهم التصدير الى الخارج، وليس بيع منتجاتهم في السوق المحلّي. هذا الأمر دفع العدد الاكبر منهم الى نقل معدّاته ومصانعه الى لبنان، وخصوصاً الى منطقة البقاع، لأنها قريبة من سوريا، وتكثر فيها المحميّات والجزر الأمنية الخارجة عن سيطرة الدولة، بإدارة عصابات السرقة والتهريب. كذلك، فإنّ البقاع ذاع صيته في زراعة الحشيشة والمتاجرة بها.

طريقة التصنيع

لم يجد التجّار السوريون عناءً في نقل معدّاتهم الى لبنان، لأنّ تصنيع الكبتاغون لا يحتاج الى معدّات ضخمة. فآلة التصنيع عبارة عن ماكينة للشوكولا، يُخرط لها قالب خاص بالحبوب بدلاً من القالب المخصّص للشوكولا، وتصبح صالحة للصناعة، فتنتج نحو 700 حبّة كبتاغون في الدقيقة، ومن السهل تهريبها من بلد الى آخر لأنّها تُستورد لاستعمالات شرعية معروفة.

ترتكز عمليّة التصنيع على إضافة مادة كيميائية منبّهة مركّبة من مادَّتي “التيوفيلين” و”الامفيتامين” بواسطة سلسلة “الالكيل”، وهي مواد مستعملة في صناعة الادوية. وبعد خلط المواد توضع في الماكينة وتخرج بسرعة قياسية، ويطبع عليها شعار الكبتاغون الذي هو غالباً رقما 7 و8 فوق بعضهما. من جهته، يعمد بعض التجّار والمروّجين الى إدخال مكوّنات أخرى في تركيبته لزيادة مفاعيله النفسية والبيولوجية، كمادة الهيرويين أو المورفين أو الكوكايين. وتكمن خطورة الكبتاغون في أنّه ليس نبتة تزرع وتُرى بالعين وتتلفها الدولة، فتصنيعها أسهل من طبخ الكوكايين والهيرويين، والأخطر أنّ صيادلة يستوردون المواد الأوّلية للتصنيع على أسمائهم ويَبيعونها للمصنّعين.

أسباب استعماله

في البداية، استُعمل الكبتاغون كعلاج طبّي لمنع الإحباط بدلاً من البروزاك، وتبيَّن أنّه لا يتسبّب بارتفاع ضغط الدم، كما هي الحال بالنسبة الى الأمفيتامين، ولكن نتج عنه عوارض جانبيّة سيئة نتيجة تسبّبه في تسميم جسم متناوله. لذلك حرّمت منظمة الصحة العالمية استعماله عام 1986 بعد إدراجه في الجدول الثاني المُلحق بالإتفاقية الخاصة بالمخدّرات والمؤثرات العقلية، بعد استعمالٍ مشروع قاربَ الـ25 عاماً.

ويقلّل الكبتاغون من الحاجة الى النوم، ويساعد على اليقظة ويحدّ من الشعور بالتعب ويزيد من التنبّه الذهني والقدرة على التركيز ويخلق شعوراً بتحسّن المزاج. لكنّه في المقابل، يسبّب عدم انتظام في الدورة الدموية وتسارع دقّات القلب، ويؤدّي الى خلل في عمل الجهاز الهضمي وتقلّب المزاج وسرعة الانفعال والارتجاف وزيادة الحركة، وانفصام في الشخصية والهلوسة وجنون العظمة، وأحياناً يسبّب الموت المفاجئ.

خطوط التهريب

تُعتبر منطقة الشرق الأوسط أكثر المناطق تعاطياً للكبتاغون، وخصوصاً دول الخليج العربي، وبالتحديد المملكة العربية السعودية، وفق إحصائيات المكتب المعني بالجريمة والمخدّرات في هيئة الامم المتحدة. وتتشدّد السعودية في ملاحقة المتورطين. وتمثّل دول بلغاريا، تركيا، سوريا، بلجيكا، استونيا، نيوزيلندا، المصدر الرئيسي للكبتاغون المُهرّب للشرق الاوسط، وتتنوّع خطوط التهريب الى الشرق، وذلك عبر خطّ (بلغاريا، تركيا، سوريا، الاردن، دول الخليج العربي). خطّ (بلغاريا، سوريا، لبنان، الاردن،، دول الخليج). خطّ (بلغاريا، تركيا، سوريا، لبنان، دول الخليج). خطّ (بلغاريا، تركيا، سوريا، لبنان، اليمن، دول الخليج). خطّ (بلغاريا، قبرص، دول الخليج العربي). خطّ (تركيا، سوريا، الاردن، المملكة العربية السعودية)، وخطّ (سوريا، الاردن، دول الخليج، السعودية).

أموال ضخمة

ويلاحَظ من ذلك، أنّ لبنان يشكّل مركزاً أساسيّاً في معظم عمليات التهريب، نظراً لموقعه الجغرافي على البحر المتوسّط. كذلك، فإنّ المردود المالي ضخم جدّاً على التجّار، فمجموع الحبوب التي ضبطها مكتب مكافحة المخدرات عام 2013 فقط، بلغ 11979476 حبّة، ومن المعروف أنّ متوسّط سعر الحبّة هو 10 دولارات، ما يعني أنّ متوسّط عائدات هذه التجارة يبلغ نحو 120 مليون دولار، هذا فضلاً عن العمليات التي لا يتمّ ضبطها.

تطويق

نجح لبنان في تطويق عصابات الكبتاغون، والقبض عليها بشكل كبير، وتبيّن في التحقيقات القضائيّة أنّ معظم العاملين في هذا المجال هم سوريّون يعاونهم أشخاص لبنانيون. وقد قبض مكتب مكافحة المخدّرات في قوى الأمن الداخلي على ما سمّي بـ”بابلو اسكوبار” الكبتاغون في لبنان، وهو سوري يدعى أبو عبدو، نقل مصانعه الى البقاع، وتمّ ضبطه من خلال محاولته تهريب 6 ملايين حبّة، فتمّ توقيف شاحناته ومعها المهرّبون، وبعد 4 أشهر تمّ التعرّف إلى شبكته وتفكيكها. وتشبه طريقة عمل “أبو عبدو” طريقة العائلة المالكة، فجميع العاملين معه هم من أقاربه السوريّين، وهو في الوقت نفسه المستورد للمواد الأوّلية والمصنّع والمصدّر لها. فالتصنيع يحصل في البقاع، و”بورة” التوضيب تقع في عاليه، حيث تدخل الشاحنات إلى كاراجات كبيرة وتقفل ليبدأ التوضيب استعداداً للتصدير من دون إثارة أيّ شكوك.

والفرق بين عصابة “أبو عبدو” والعصابات الأخرى الـ22 التي قبضت عليها القوى الأمنية، هو اختلاف المصدّر عن المصنّع والمستورد، حسبما أظهرت التحقيقات. وقد تمّ الإيقاع بهذه العصابات من خلال عمليات التهريب بعد القبض على العاملين، أو من خلال تغلغل المخبرين داخلها.

وفي وقت لم يتحوّل تجّار الحشيشة اللبنانيون تجّار كبتاغون، لأنه منتج دخل السوق حديثاً، ولأنّ الحشيشة البقاعية ذاع صيتها في أوروبا، لا تخفي القوى الأمنية خوفها من تحوّلهم الى التجارة بهذه المادّة لأنها تحقّق الربح السريع، والتاجر يعمل حسب قانون العرض والطلب، وخصوصاً أنّ بعض المضبوطات كانت لأشخاص ينتمون الى جهات حزبيّة نافذة.

طريقة الإخفاء

طريقة إخفاء الكبتاغون سهلة، لأنّ الكلاب البوليسية المدرّبة على المخدّرات لا تشمّ المادة المصنّعة منها. أمّا ضبطها فيتمّ عبر “السكانر” أو مخبرين. ويلجأ المهرّبون الى أساليب ذكيّة لإخفائها وتهريبها من المطار والمرافئ، فيخفونها داخل حقائب السفر، أو في أكياس من البنّ أو داخل أرغفة خبز، أو في علبة حلوى وأقراص المعمول، وفي طاولات خشبية، وداخل “شوديير” لتسخين المياه، وفي مقصورات شاحنات، وداخل شجرة ميلاد أو رجل ثلج من الفلّين. أمّا الفشل في ضبط بعض العمليات فيعود إلى أعداد المسافرين الهائلة يومياً، فالأغراض تُفتّش على السكانر ولا تفتيش يدويّاً لأنّ ذلك يستغرق وقتاً طويلاً.

لا يمكن القضاء على ظاهرة المخدّرات نهائيّاً، لأنّ هناك أناساً أدمنوا عليها، ويفعلون المستحيل للحصول عليها، فيما المطلوب أن يصبح مكتب مكافحة المخدّرات جهازاً قائماً بحدّ ذاته. فالمخدرات آفة كبيرة لا يمكن القضاء عليها بعناصر قليلة، وتجّار المخدّرات أناس أثرياء، لديهم الإمكانات كي يفعلوا المستحيل للتهريب. يشترون الطرق، وإذا أقفِلت يفتحون غيرها. من هنا، على الدولة وضع ثقلها للقضاء على هذه الظاهرة، لكي لا يتحوّل لبنان ملاذاً آمناً لمُصدّري الكبتاغون، إذ إنّ القوى الأمنية كانت تضبط الحبوب وهي مهرّبة من لبنان وليس مستوردة من الخارج، ولكي لا يغزو هذا المنتج الأسواق اللبنانية وينهش بالشباب.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

One response to “لبنان ترانزيت “الكبتاغون”… غزوة سوريّة بالمصانع والتّجار”

خبر عاجل