لا يخفى على احد بأن المشهدية السياسية والأمنية في لبنان بلغت منحدراً خطيراً بات يهدد السلم الأهلي، ومبشراً بمشروع عرقنة طائفية يحاول بعضهم استيراده الى الداخل اللبناني: انفجارات متنقلة بين شارع و آخر، اعتداءات على الحدود اللبنانية-السورية، معارك وجولات قتال لا تعد و لا تحصى في طرابلس، اغتيالات لقادة “١٤ آذار” لم يتمكن من ان يسلم منها الوزير الشهيد محمد شطح، احداث متفرقة لواقعٍ لبناني مرير.
لم تتوقف ابتكارات ثقافة الاجرام و ضرب هيبة الدولة عند هذا الحد بل تفاقمت لتبلغ دركاً من الوقاحة المكشوفة عبر ارسال طائرة من دون طيار لتحوم فوق مقر حزب “القوات اللبنانية” ورئيسها الدكتور سمير جعجع. هذا الاستهداف هو ترجمة طبيعية للعقلية الميليشياوية التي تحاول المساومة على حياة الدكتور جعجع مقابل تخليه عن مبادئه و افكاره السياسية. محاولة “ساذجة” من قبل من لم يتعظ بأن الرجل الذي دفع ١١ سنة من حياته داخل قضبان وزارة الدفاع لن يقوى عليه لا “ياسر” و لا “ايوب”.
الهدف من هذا المقال ليس القيام بمرافعة دفاعية عن شخص الدكتور جعجع بل جوهر الموضوع هو خطه الذي بات يستدعي اغتياله. لقد اثبتت الايام بأن “١٤ اذار” عموماً و “القوات اللبنانية” في وجه الخصوص يقفون سداً منيعاً امام غطرسة “حزب الله” و مشروعه “الإلهي”. ان موازين القوة التي يفرضها الدكتور جعجع لا تتلاقى مع النظرة الشمولية لدى بعضهم.
في الغوص بالتفاصيل، نرى أن “حزب الله” الذي كان يستمد قوته من معاداته لإسرائيل و أميركا تحول الى متعالٍ يفرض شروطه على الأخرين من خلال استثماره للتقارب الإيراني-الاميركي. هذا التقارب لعله اوحى للدائرين في الفلك الإيراني ان استباحة مقر الزعامات بات مسموحاً.
من ناحية اخرى، لا يخفى على احد بأن المواقف المتقدمة التي اطلقتها “القوات” دعماً لحق تقرير الشعب السوري لمصيره ازعجت المستفيدين من بقاء نظام الاسد. هؤلاء الذين تستفزهم رايات الحرية و الاستقلال لم يتوانوا عن تشويه الحقائق عبر فرض معادلة اما الاسد او التكفيريين، متجاهلين بانه لا فرق بين ديكتاتورية مجرمة تدعي العلمنة و اصولية تكفيرية ارهابية. ان دعم الدكتور جعجع للمعارضة المعتدلة “لا يجوز” في قاموس من احتل لبنان و استفزته حدود الـ١٠٤٥٢ كلم٢.
كما انه لا يجوز تجاهل موقف “القوات” الواضح منذ اليوم الاول بعدم المشاركة بأي حكومة تغطي انخراط “حزب الله” في الازمة السورية و لا يتضمن “اعلان بعبدا” كبند وحيد في الفقرة السياسية للبيان الوزاري. ان هذا الموقف الداعم للمؤسسات الشرعية و الدستور اللبناني لا يتلاقى مع احلام تحقيق مشاريع خارجية تتخطى الحدود الى ما هو بعد.. بعد.. الشام.
من هنا ان الغاء سمير جعجع اصبح ضرورة قصوى من اجل ضرب العمود الفقري لـ”١٤ اذار”، خصوصاً في ظل الغياب القصري للرئيس سعد الحريري عن لبنان.
ان استباحة المجال الجوي لمعراب لا بد ان تسقط من خلال ممارسة الجيش اللبناني و القوى الامنية لمهامها. من اليوم لحينها ما نشهده هو ثورة سلاح على وطن، ما علينا الا ان نثور على هذا السلاح… كي يبقى الوطن.
الساكت عن الحق شيطان اخرس والصمت عن الاجرام اخطر من الاجرام.فما بال السلطة وبالتحدييد قيادة الجيش صامتة عن طيارة معراب فصمتها مريب كما صمتت عن اغتيال الطيار سامر حنا وعن اغتيال الشاب هاشم سلمان امام السفارة الايرانية فالعنوان معروف والقاتل معروف هو حزب الله.فربما قد نحتار في امر واضع سيارة مفخخة او المسؤول عن عملية اغتيال ولكننا لا نحتار كثيرا في من يملك طائرات ايوب فتتبعوها وهي تدلكم على عنوان الفاعل القاتل.الصمت عن الجريمة مشاركة في الجريمة .