لقد فشلت كل المحاولات الأكاديمية والحقوقية والسياسية في التوافق على توصيف الإرهاب وتحديد خصائصه، وفشلت كل محاولات تجاوز تلك المنطقة الضبابية الفسيحة حيث يتشابك منطق القتال من أجل الدفاع عن الحق والحرية والوطن مع منطق الإرهاب.
معظم الباحثين الموضوعيين أقروا حتى اليوم باستحالة التوافق على توصيف أو تحديد موحد للإرهاب طالما أن العدالة المطلقة مفقودة، وما زال حتى اليوم منطق شريعة الغاب هو المهيمن على تصرفات وسياسات حتى أكثر الشعوب عراقة في المحافظة على حقوق الإنسان والالتزام بالمُثُل الإنسانية العليا.
فحتى في جنّة حقوق الإنسان الاسكاندينافية، ظهر إرهابي نروجي اسمه “اندريس بريفيك”، في سنة ليقتل ويجرح العشرات دفاعاً عن مثله العليا في مواجهة مثل عليا لبشر آخرين.
الواضح اليوم هو أن توصيف الإرهاب هو مسألة بعيدة كل البعد عن الموضوعية. فإن كان من المنطقي أن يصف الضحايا والمتعاطفون معهم الاعتداء الذي يطالهم بأنه عمل إرهابي، فمن المتوقع أيضاً أن يصف المتعاطفون مع المعتدين بأن العمل هو بطولي وجهادي وفي سبيل الحق والحرية ودفاعاً عن السلام والعدالة وعن الأرض وعن السماء وعن العقيدة…
الواقع الموضوعي هو أن منطق الإرهاب هو جزءٌ من وسائط التواصل بين الكائنات الحيّة، وقد يكون التوازن القائم بين قدرة هذه الكائنات على إرهاب بعضها البعض، أحد أهم أسباب الاستقرار المشوب بالقلق والاهتزازات المستمرة، خصوصاً عندما يقتنع طرف بأنه يملك من القدرات الإرهابية التي تفوق طرفاً آخر، فيندفع إلى مغامرة كسر توازن الرعب، وبالطبع يتساقط الكثير من الضحايا نتيجة لتلك المغامرة.
على هذا الأساس، فمهما حاولنا تسويغ أسباب استعمال العنف أو التهديد به، أو حتى امتلاك وسائل القوة من دون استعمالها، إلا أنها تبقى أحد وجوه الإرهاب. ولا ينفع أيضاً في هذا المجال تسويغ هذا النوع من الإرهاب بأن ننسبه لأهداف سامية، لأن الطرف الآخر سينسب إرهابه إلى أهداف سامية أخرى، وأحياناً الأهداف نفسها.
حول البيئة الحاضنة
ما لنا وكل هذا الحديث الفلسفي، فلا أظن أن أحداً سيهتم به في ظل الأحداث المرعبة التي تجتاح عالمنا. الحديث اليوم يدور حول البيئة الحاضنة للإرهاب، وتنطح العمائم لقيادة الجدل حول الإرهاب والإرهابيين ومسوغاتهم.
الواقع اليوم هو أن اللبنانيين بالإجمال قد اتفقوا بشكل استثنائي على تسمية سلسلة أعمال التفجير التي اجتاحت لبنان على مدى السنوات التسع الماضية بأنها عمليات إرهابية.
هذه العمليات طالت بشراً لا ذنب لهم إلا أنهم كانوا بالصدفة في موقع التفجير، فقضوا نتيجة لقرار لا يعنيهم بشكل شخصي، ولكن من قام بالعملية كان يعلم مسبقاً أن عمله سيؤدي إلى مقتل أو أذية أعداد لا حصر لها من عابري السبيل.
هذا يعني أنه بغض النظر عن أهداف العمليات الإرهابية وحجمها ومن استهدفت ومن طالت، فإن عملية اغتيال رفيق الحريري وعمليات اغتيال رجالات آذار هي إرهابية كما هي متفجرات الضاحية والهرمل.
الحديث اليوم قائم حول البيئة الحاضنة للإرهاب! ويجب الاعتراف اليوم بأن هذه البيئة موجودة، ويمكن القول إن جزءاً منها كان موجوداً منذ زمن طويل، وظهر إلى العلن عند اغتيال رفيق الحريري، والجزء الآخر مستجد وظهر واضحاً بعد دخول “حزب الله” إلى سوريا.
فمسألة نشوء “البيئة الحاضنة” لا يمكن أن تكون بالصدفة، أو أن تكون مسألة طارئة، بل هي عملية تراكمية متعددة الأسباب وتدخل فيها معطيات تاريخية واجتماعية وأسطورية وأفكار مسبقة، بالإضافة إلى وقائع وحوادث تأتي لتذكي البيئة الحاضنة.
بيئة “حزب الله”
على هذا الاساس فإن البيئة الحاضنة للإرهاب الذي يمثله “حزب الله” تستند إلى كل تلك المعطيات، وتظهر واضحة في التبني الكامل للجزء الأعظم من البيئة الشيعية لأعمال هذا الحزب واعتبارها مسوغة وتستند إلى الحق المطلق مهما ظهر منها من شوائب أو عورات.
يكفي مراجعة تغطية تلك البيئة الحاضنة لعمليات الاغتيال التي طالت قيادات قوى آذار والاحتفال بها مثل توزيع الحلوى يوم اغتيال جبران تويني، وشماتة مذيعة تلفزيون نبيه بري باغتيال وليد عيدو وتمنيها مصيراً مماثلاً لأحمد فتفت، وشبكات التواصل الاجتماعي التي تقول “إن كان حزب الله هو من قتل رفيق الحريري فهذا يعني أن هناك سبباً وجيهاً لقتله!” أو “سلمت أيديكم”. يضاف إلى ذلك ترقية المتهمين إلى مرتبة القديسين، وتغطية ترهيب القمصان السود، وتبني مبدأ إرهاب المعارضة السورية من خلال الدخول إلى سوريا ودعم بشار الأسد الذي أصبح واضحاً ممارسته الإرهاب المطلق ضد المواطنين السوريين من دون تفريق. وتظهر أيضاً البيئة الحاضنة من خلال تمجيد أعمال قام بها عماد مغنية مثلاً لا يمكن توصيفها إلا بالإرهابية، وبالتالي رفعه هو أيضاً إلى مصاف القديسيين…
هذا بالتأكيد غيض من فيض، ولكن هذه اللائحة المختصرة لم تأتِ لمحاولة تبرئة البيئة الحاضنة للإرهاب المضاد التي يتحدث عنها “حزب الله” عند إشارته للتجمعات السنيّة في لبنان.
البيئة الأخرى
يجب اليوم الاعتراف بأن الحالة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية للتجمعات السنيّة تؤكد بأن نشوء هذه البيئة هو أمر متوقع لا بل حتمي. ولكن، وبتجرد وموضوعية، لنراجع كيف ومن أنتج هذه البيئة.
منذ بضع سنوات كانت صور حسن نصر الله تزين الكثير من بيوت أهل السنّة في لبنان، وكانت شعارات حزب الله تستعمل كتعاويذ عابرة للمذاهب. لم يخطر ببال أحد يومها التصنيفات المذهبية، وإن خطر ببال البعض أن حزب الله هو للشيعة، فكان لكيل المديح للشيعة، وبالتالي تشجيع السنّة على الاقتداء بمسار المقاومة. وحتى عندما حاولنا شرح الخلفية العقائدية المذهبية والأسطورية لـ”حزب الله” بين الناس، اتهمنا أهلنا بالمغالاة وبمحاولة تشويه صورة المقاومة وأحياناً تفريق كلمة المسلمين.
ولو راجعنا أيضاً كيف تبدلت أحوال هذه البيئة، فسنلاحظ أن يوم السابع من أيار الذي أعلنه حسن نصر الله يوماً مجيداً، كان محطة تحول مفصلية في مزاج الشارع السني. يضاف إلى ذلك كله تمادي قيادات الحزب بالاستهزاء والتهديد والاستكبار ورفع الأصابع، واستمرار أبواقهم باستعمال التعابير الساقطة بحق قيادات ومجتمعات سنية.
لقد أتت أيضاً عمليات الاغتيال التي طالت نخباً سنية واستهداف مواقع قيادية سنية في الإدارة والسياسة والأمن لتزيد على الغل تعمقاً. ذلك كله ولّد إحساساً بالاستضعاف والمهانة والدونية تراكم في البيئة السنية ووضعها في ضيق وكآبة شديدين.
أتت بعدها طبعاً مسائل اكتشاف المتهمين باغتيال رفيق الحريري والانقلاب على حكومة سعد الحريري وانطلاق الثورة السورية ودخول “حزب الله” ومشاهد الظلم والإجرام الذي يضرب البيئة ذات الأكثرية السنية في سوريا. أضف إلى ذلك كله تكوّن انطباع منطقي بأن الدولة والقضاء والجيش والمخابرات في لبنان تتعامل بشكل استنسابي مع الناس بناءً على انتمائهم السياسي أولاً والمذهبي ثانياً. يعني أن يتم تجاوز مقتل الرائد سامر حنا وتسوية قضيته والإفراج عن قاتله، ويتم الإفراج عن من أحرق محطة “الجديد”، وعدم اكتشاف مرتكبي التفجيرات التي طالت قوى آذار، وفي الوقت نفسه اكتشاف مرتكبي متفجرات الضاحية والقبض عليهم، وعدم القبض على مرتكبي تفجيرات طرابلس المعروفين أصلاً. هذا مع العلم بوجود مذكرات توقيف بحق متهمين أو مرتكبين من السنّة، فحبس العشرات منهم لأسباب مختلفة ومن دون محاكمة، في حين يسرح ويمرح مسلّحو “حزب الله” بكامل تجهيزاتهم وببطاقات المرور الرسمية داخل الحدود وخارجها من دون أي رادع.
الانقلاب على الاعتدال
لقد أدى تراكم هذه المعطيات إلى فقدان البيئة السنية ثقتها بقدرات قياداتها السياسية على مواجهة تطرف “حزب الله” من خلال منطق الاعتدال ومرجعية الدولة والمواجهة السلمية، واستنتج الكثيرون أن التطرف لا يواجه إلا بتطرف مضاد، وأن العنف يواجه بعنف مضاد، طالما أن السلطة المفروض بها حماية المستضعفين هي إما غائبة، أو مهمشة، أو متواطئة. كل تلك العوامل أدّت إلى انتاج بيئة حاضنة توزع الحلوى أو تطلق رصاص الابتهاج عند انفجار يطال بيئة حزب الله الحاضنة، بغض النظر إن كان الإرهاب يقتل سنياً أو شيعياً أو مسيحياً.
لقد اندفعت القيادة السياسية السنية على مراحل متعددة إلى تسويات مبنية على الأمر الواقع مثل حكومات الوحدة الوطنية والشراكة واتفاق الدوحة والـ”سين-سين” ومؤخراً حكومة الشركة. كما أن الخيارات البديلة بحكومات أحادية الجانب، وبرئاسة سني من غير خط تيار “المستقبل” كانت أيضاً مخيبة للآمال بظل تبعية كاملة لحزب الله. هذا ما أدى إلى فقدان الثقة بالمرجعيات السياسية السنية والذهاب في معظم الأحيان إلى الاعتكاف يأساً، أو في بعض الأحيان إلى الذهاب لخيارات عنيفة.
لحسن الحظ أن هذه البيئة الشامتة لم تصل إلى حد التعاطف مع الإرهاب، ولكن البعض أصبح يتفهمه، ومن يتفهمه لم يصل إلى حد التعاون معه. ولكن بالتأكيد، هناك من وصل به الحقد إلى حد الذهاب إلى المشاركة بالجريمة الإرهابية.
لسنا هنا في مجال تسويغ الإرهاب، ولا نحاول إيجاد الأعذار لمن يتعاطف معه ولو بقلبه فقط، ولكن هذه الآفة أدخلتنا في حلقة مفرغة قد تهدم كل قواعد الاجتماع في لبنان. إن هذا المسلسل الانتحاري لن يتوقف إلا إذا عالجنا أسبابه، والواقع هو أن مسار الخروج من هذه الحلقة الجهنمية هو واضح على الرغم من الكلام الشعبوي الذي يطلقه حسن نصر الله عن الحرب الاستباقية على الإرهاب التي حاول بها تسويغ إرهاب حزبه في سوريا.
المسار الإنقاذي هو كما يلي:
– الخروج بشكل كامل من سوريا.
– سيطرة الجيش اللبناني على الحدود.
– التعامل بكل صرامة مع المتسللين ذهاباً وإياباً.
– العودة إلى طاولة الحوار لعلاج مسألة السلاح غير الشرعي.
– ترك المحكمة لتصدر أحكامها بعد عمر طويل في قضية اغتيال رفيق الحريري.
– علاج منطق البيئات الحاضنة اجتماعياً واقتصادياً وعقائدياً وأمنياً.
فهل من عقول منفتحة لتفهم؟
واضج جدا منطقي جدا والى ابعد الحدود.اللهم اشهد اني بلغت ومن له اذنان سامعتان فليسمع وليبادر باسرع وقت.